الاثنين - 02 نوفمبر 2026

مستقبل الشيعة في العراق… حين تصبح السلطة خطراً على من يمثلهم..!

الاثنين - 02 نوفمبر 2026

ناجي سلطان الزهيري ||

 

 

 

إن مستقبل الشيعة في العراق يقف أمام منعطف بالغ الخطورة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وتغيّر موازين القوى والتحالفات ، بالتزامن مع أزمة سياسية داخلية تتعمق بفعل فساد الأحزاب المتصدرة للمشهد الشيعي وتناحرها على السلطة والنفوذ، وسوء إدارتها للدولة، وتغليب مصالحها الحزبية على مصالح المجتمع ومستقبله.

إن الخطر لا يكمن في المتغيرات الإقليمية وحدها بل في هشاشة الواقع الداخلي الذي قد يجعل العراق ومجتمعه الشيعي على وجه الخصوص أكثر عرضة لتداعيات تلك المتغيرات ، فالدول لا تحمي نفسها بالشعارات ولا تصون مكانتها بمجرد امتلاك النفوذ السياسي ، وإنما بقوة مؤسساتها ومتانة اقتصادها واستقلال قرارها وقدرتها على إدارة الأزمات بحكمة ومسؤولية.

لقد ارتكبت القوى السياسية التي تحدثت باسم الشيعة خطأً استراتيجياً حين تعاملت مع السلطة وكأنها امتياز دائم ومع الجمهور وكأنه رصيد انتخابي مضمون ومع مؤسسات الدولة وكأنها حصص حزبية تُوزع بين المتنفذين والموالين ، وبدلاً من أن تكون السلطة وسيلة لبناء دولة قوية وعادلة تحولت في ممارسات عديدة إلى ساحة للتنافس على المناصب والمكاسب ، بينما تراجعت الكفاءة واستُنزفت الموارد وضعفت ثقة المواطن بالعملية السياسية.

والأخطر من ذلك أن الأحزاب والتيارات الدينية استخدمت رصيدها الديني والاجتماعي لتكريس نفوذها من دون أن تقدم في المقابل نموذجاً يتناسب مع الشعارات التي ترفعها ، فحين تتسع الفجوة بين الخطاب الديني والممارسة السياسية وبين وعود العدالة وواقع الفساد والمحسوبية فإن الخسارة لا تصيب تلك الأحزاب وحدها ، بل تمتد إلى ثقة المجتمع بالخطاب الذي استُخدم لتبرير سياساتها.

إن التناحر بين القوى السياسية الشيعية وانشغالها بصراعات النفوذ وتقاسم السلطة يمثلان خطراً إضافياً في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد ، فحين تتغير موازين القوى تصبح الدول التي تفتقر إلى مشروع وطني متماسك أكثر عرضة للضغوط ، وتجد المجتمعات نفسها أمام نتائج قرارات لم تكن شريكاً حقيقياً في صنعها.

وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة جوهرية : ليس كل ما يُقدَّم على أنه دفاع عن الشيعة يخدم مستقبلهم بالضرورة وليس كل تراجع يصيب حزباً أو تياراً يمثل خسارة للمكوّن بأكمله ، بل قد يكون استمرار بعض الممارسات السياسية هو الخطر الأكبر ، حين يؤدي الفساد وسوء الإدارة واحتكار القرار إلى إضعاف الدولة والمجتمع معاً.

إن مستقبل الشيعة في العراق لا يمكن ضمانه باستمرار الأحزاب ذاتها في السلطة ولا بتكريس الاحتكار السياسي ولا بإسكات الأصوات الناقدة تحت عناوين طائفية أو دينية ، إنما يُصان هذا المستقبل ببناء دولة قوية ومؤسسات مستقلة واقتصاد منتج وإدارة كفوءة ونظام سياسي يخضع للمحاسبة ويمنح العراقيين فرصاً متساوية بعيداً عن الولاءات الحزبية.

إن المأساة المحتملة ليست قدراً محتوماً لكنها خطر حقيقي إذا استمرت الأخطاء نفسها وبقيت القوى الحاكمة عاجزة عن مراجعة تجربتها ، فالتاريخ لا يمنح النفوذ ضمانة دائمة ، والتحولات الإقليمية قد تكشف هشاشة ما يبدو قوياً خصوصاً عندما يكون هذا النفوذ قائماً على المحاصصة والمصالح المتشابكة لا على دولة راسخة ومؤسسات تحظى بثقة مواطنيها.

إن الواجب اليوم يقتضي مصارحة المجتمع بالحقيقة بعيداً عن المجاملات والتخويف والتعبئة الطائفية ولا يجوز أن يبقى مستقبل ملايين العراقيين مرتبطاً بمصالح أحزاب أو أن يتحمل المجتمع تبعات فسادها وإخفاقاتها أو أن يُطلب منه الدفاع عن سلطتها بدلاً من مطالبتها بالدفاع عن حقوقه.

فالشيعة في العراق ليسوا ملكاً لأحزاب ولا ينبغي اختزال هويتهم ومستقبلهم في مصير تيار أو زعيم أو تحالف سياسي ، إنهم جزء أصيل من العراق ومصلحتهم الحقيقية تكمن في دولة عادلة وقوية تحمي الجميع وتصون الحقوق وتمنع احتكار السلطة واستغلالها.

فإذا لم تدرك القوى السياسية التي تتصدر المشهد الشيعي أن السلطة مسؤولية وليست غنيمة وأن الجمهور ليس غطاءً للأخطاء ولا وقوداً للصراعات ، فقد يأتي وقت يدفع فيه المجتمع ثمناً باهظاً لسياسات لم تخدم إلا مصالح أصحابها.

إن إنقاذ المستقبل يبدأ بالشجاعة في النقد والمحاسبة الحقيقية وإنهاء احتكار التمثيل وتحرير الدولة من هيمنة الأحزاب ، فالأحزاب تتغير والحكومات ترحل وموازين القوى تنقلب ، لكن المجتمع يبقى ، ولذلك لا ينبغي أن يُضحّى بمستقبله من أجل بقاء أحد في السلطة.