انتهت الكتلة السياسية اللبنانية القديمة، وهذا ما يحكم العالم اليوم..!
ناجي علي أمهز ||

عادةً عندما أكتب أو أطرح أمراً، تكون هناك إشارات كثيرة أتلقاها في تصريحات منشورات مقالات صحفية مرموقة، العقل السياسي يلتقط الاشارات كما عالم الاثار يقرأ الرموز والطبيب يشخص المرض من نظرة واحدة، وأعرف من خلالها أنني اقتربت من حقيقة ما يجري، أو أنني وضعت يدي على مسألة لم ينتبه إليها كثيرون بعد.
حتى عندما أدافع أحياناً عن بعض الزعماء السياسيين التقليديين، هناك من يقول: نعم، فلان زعيم أو ضرورة وطنية، إلى آخر الكلمات والمفردات التي تُستخدم في السياسة.
وتذكرون جميعاً عندما تطاولت أورتاغوس على وليد بيك جنبلاط في 19-4-2025. يومها، وبعد تغريدتها مباشرة، كتبتُ بأنها ستحاسَب وتُعزل من منصبها، ونشرتُ:
«متضامن مع أمير لبنان وليد بيك جنبلاط، يا أخي يافث، لبنان قبل نوح، وأمراؤه الحقيقيون لا يُتخطَّون».
وفي 8 أيار 2025، وفي تصريح نُشر بعنوان: «زيارة لودريان أهمها مع جنبلاط، وهي المحاولة الأخيرة لإنقاذ الشيعة من العقوبات الأميركية»، جاء فيه:
«وأوضح أمهز أن باريس تعرف مسبقاً الموقف الشيعي، لكنها تحاول التذكير وشرح التداعيات لمتغيرات الشرق الأوسط، بالمقابل تعوّل باريس على نجاح لقاء لودريان مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي نجح في تلقين المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس درساً قاسياً بعد تغريدة ضدّه، اعتبرها قادة النظام العالمي خطأً استراتيجياً من موظفة (جاهلة)، ما أدى – بحسب أمهز – إلى معاقبتها وربما ما هو أكثر».
وفي 4-8-2025 كنتُ أول من أعلن تنحية توم باراك عن ملف لبنان، كما أكدتُ أنه رغم كل ما يُشاع أميركياً ولبنانياً عن عودة أورتاغوس إلى لبنان، فإن ذلك ليس حقيقياً.
وأكد أمهز أن باراك لم يعد جزءاً من المعادلة اللبنانية، لا من قريب ولا من بعيد، لا في التخطيط ولا في استلام وتسليم الرسائل، كون الملف اللبناني سيكون بيد السفير الأميركي الجديد في لبنان. أما ما يُشاع عن عودة مورغان أورتاغوس للإمساك بالملف اللبناني، فحتى اللحظة، لا أخبار مؤكدة، ولا تسريبات موثوقة، ولا إشارات جدية تشير إلى أنها ستُكلَّف رسمياً بهذا الدور.
لكن ما لفت انتباهي خلال الأشهر القليلة الماضية أنني لم أعد أسمع شيئاً عن الزعماء اللبنانيين، وكأنهم لم يعودوا موجودين في همس الكبار في العالم.
حتى في دفاعي الأخير عن وليد بيك جنبلاط، لم ألحظ أن هناك من اهتم فعلاً، بعكس ما حصل إبان تصريحات أورتاغوس.
وهنا بدأت أتساءل: هل تغيّر العالم فعلاً؟ وهل انتهى زمن الكتلة السياسية اللبنانية القديمة، التي كانت تستمد جزءاً كبيراً من حضورها من علاقاتها الخارجية وموقعها في حسابات الدول الكبرى؟
أعتقد أن ما يجري أعمق من مجرد تبدّل في الاهتمامات السياسية، لذلك بحثت اياما لافهم ماذا يجري وماذا تغير.
صدمت لقد تغيّر العالم بصورة جوهرية؛ فدول القرار لم تعد تعتمد حصراً على التقارير الدبلوماسية، أو ما ينقله الوسطاء والسفراء، أو الانطباعات الشخصية بين القيادات السياسية. بل أصبحت تمتلك تقنيات متقدمة لجمع البيانات وتحليل السلوكيات والأنماط، وبناء تصورات مستقلة وأكثر شمولاً عن الأشخاص والدول ومراكز النفوذ.
نحن لا نتحدث عن خيال علمي، بل عن تقنيات مثبتة ومستخدمة في المؤسسات الحكومية والاستخباراتية، أبرزها: تجميع البيانات (Data Aggregation)، واستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، والاستخبارات الجغرافية المكانية (GEOINT)، واستخبارات الإشارات (SIGINT)، والتعلم الآلي (Machine Learning)، وتحليل الأنماط (Pattern Recognition)، والتحليل التنبؤي (Predictive Analytics)، وتحليل شبكات العلاقات والنفوذ (Social Network Analysis)، ومعالجة اللغة الطبيعية (NLP)، ودمج المعلومات من مصادر متعددة (Data Fusion).
وتستخدم مؤسسات أميركية، برنامج Maven، الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية لتحليل الصور والفيديوهات والبيانات الجغرافية، ورصد التحركات والأنماط، وتقديم معلومات تدعم القرار فيها.
لم يعد السؤال مقتصراً على ماذا يقول الزعيم او الشخص، بل ماذا تكشف البيانات عن سلوكه الفعلي. فالتقنيات الحديثة تتيح مقارنة الخطاب بالممارسة، وتحليل العلاقات والتحالفات والقرارات، ورصد التناقضات والأنماط المتكررة، وبناء تقديرات احتمالية عن التوجهات والسلوك المستقبلي.
وليس كل تناقض كذباً، ولا كل زعيم صدامي مخادعاً؛ فهناك من يتصرف بانسجام مع قناعاته، وهناك من يناور ويعلن ما لا يمارسه. والخوارزميات تساعد في رصد هذه الفوارق، وبدورها تمنح صاحب القرار الدولي بان يتخذ قرارا قاسيا، فالشخص الفاسد سيحاسب بقسوة مفرطة.
لذلك عندما يصطدم زعيم بمصالح قوة دولية كبرى، لم تعد تلك القوة مضطرة إلى الاكتفاء بروايته أو بما ينقله عنه حلفاؤه وخصومه. تستطيع الاستعانة بمصادرها المتعددة لإعادة تقييم سلوكه وشبكة علاقاته وقدرته على التأثير، ثم تحديد كيفية التعامل معه سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وغيره.
كما أصبحت خوارزميات ترتيب المحتوى وخفض انتشاره، وأنظمة تقييم المخاطر والامتثال المالي، والعقوبات والأدوات السيبرانية، عناصر مؤثرة في البيئة التي تتحرك فيها القيادات السياسية. وقد تتقاطع آثارها لتقييد بعض قنوات التواصل والتمويل والتأثير.
وما اخشاه ان يكون لبنان ضمن دائرة هذا الرصد مما ينتج واقعاً مختلفاً؛ فلم يعد التاريخ السياسي أو الامتداد الشعبي أو العلاقات الخارجية وحدها كافية لضمان الحضور في حسابات دول القرار. أصبح السؤال: من انت؟
إن القوة اليوم لا تقتصر على السلاح والمال والنفوذ الدبلوماسي، بل تشمل القدرة على التعامل مع البيانات التي يتم جمعها.
لقد انتقل العالم من عصر المعلومة التي ينقلها الآخرون إلى عصر المعلومة التي تستطيع الدول الكبرى جمعها وتحليلها ومقارنتها والتحقق من جوانب واسعة منها بصورة مستقلة.
وهذا أحد أهم التحولات التي ينبغي أن تفهمها الزعامات والقوى السياسية اللبنانية والعربية. فالمكانة التي كانت تحميها في الماضي لم تعد وحدها كافية لضمان حضورها في المستقبل.
عليك ان تكون طبيعيا الى اقصى الحدود لم يعد بالامكان خداع النظام العالمي.
فالزمن تغيّر، وأدوات تقييم الوقائع تغيّرت، ومن لا يفهم طبيعة هذا التحول قد يجد نفسه خارج المعادلة دون أن يعرف متى وكيف حدث ذلك.




