إرهاصات مجنون.. حين تسبق الحقيقة المجردة أوهام الشعارات..!
د. طالب الشوكة ||

ثمة لحظات في التاريخ تبدو فيها القرارات السياسية أقرب إلى المغامرة منها إلى الحسابات العقلانية، حين تتقدم الرغبة في إثبات القوة على تقدير عواقب استخدامها، وتتحول التحالفات من وسائل لحماية المصالح إلى أبواب مفتوحة على الاستنزاف. ولعل ما يجري في المنطقة، وما يحيط باليمن من حسابات إقليمية ودولية، يضعنا أمام سؤال جوهري: هل ما زال العقل السياسي قادراً على منع الرصاصة من تقرير مصير الجغرافيا؟
ليس اليمن ساحة عسكرية تقليدية يمكن حسم معاركها بالتفوق الجوي أو امتلاك الترسانة الحديثة. فالجغرافيا الجبلية، والتكوين القبلي، والتراكم التاريخي للصراعات، عوامل تجعل التدخل العسكري المباشر مغامرة محفوفة بالمخاطر. ولعل تجربة الجيش المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي تقدم شاهداً تاريخياً على قدرة هذه الجغرافيا على تحويل التدخل الخارجي إلى حرب استنزاف تتجاوز حسابات القوة العسكرية.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تفسر الاستعصاء اليمني. فجماعة أنصار الله تستند إلى بنية عقائدية وتنظيمية واجتماعية تمنحها قدرة على التعبئة والاستمرار، فضلاً عن خبرتها في القتال ضمن بيئة وعرة يصعب إخضاعها بالقوة التقليدية. وهذه العوامل لا تجعل الجماعة عصية على الهزيمة بالضرورة، لكنها ترفع كلفة مواجهتها، خصوصاً إذا انتقلت العمليات من الضربات المحدودة إلى التدخل البري الواسع.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز حسابات السعودية بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية ذات مصالح أمنية مباشرة في اليمن. فالمملكة لا تنظر إلى حدودها الجنوبية باعتبارها مجرد خطوط جغرافية، وإنما جزءاً من منظومة أمنها القومي ومكانتها الإقليمية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن حماية هذه المكانة عبر مواجهة طويلة تستنزف الموارد، أم أن التسوية السياسية، مهما كانت تنازلاتها، أقل كلفة من حرب مفتوحة؟
أما تركيا وباكستان، فإن احتمالات انخراطهما في أي ترتيبات أمنية إقليمية لا يمكن فصلها عن مصالحهما الخاصة. فتركيا تسعى إلى توسيع حضورها الجيوسياسي وتأمين مصالحها التجارية والاستراتيجية، فيما تواجه باكستان تحديات اقتصادية تجعل التعاون المالي والعسكري مع القوى الخليجية جزءاً مهماً من حساباتها الخارجية.
وهنا تظهر إشكالية التحالفات التي تجمع أطرافاً مختلفة في دوافعها وأولوياتها. فقد تتفق الدول على مواجهة خطر معين، لكنها لا تتفق بالضرورة على حجم التضحيات المطلوبة أو المدى الذي ينبغي أن تصل إليه المواجهة. وعندما تتباين المصالح، يصبح استمرار التحالف مرهوناً بما يحققه كل طرف من مكاسب، لا بما ترفعه الأطراف من شعارات.
وليس بعيداً عن هذه الحسابات، تقف الولايات المتحدة وروسيا والصين أمام مشهد تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ الدولي. فالممرات البحرية، وفي مقدمتها باب المندب، لم تعد مجرد طرق لعبور السفن، بل أصبحت جزءاً من معادلة الضغط الجيوسياسي، حيث يمكن للاضطراب الأمني أن ينعكس على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وحسابات القوى الكبرى.
ومن هنا يبرز احتمال أكثر خطورة. أن يتحول الاستنزاف المتبادل بين السعودية وأنصار الله إلى واقع تستفيد منه أطراف أخرى، من خلال تراجع قدرة الطرفين على فرض شروطهما. غير أن الاستفادة من نتائج الصراع لا تعني بالضرورة أن جميع القوى تسعى إلى استمراره أو أنها تتحكم بمساراته؛ فالحروب كثيراً ما تنتج نتائج تتجاوز إرادة المشاركين فيها.
إن أخطر ما في الحروب الطويلة أنها لا تستنزف الجيوش وحدها، بل تستنزف الاقتصاد والمجتمع والقدرة على اتخاذ القرار المستقل. وقد تستطيع الدولة تحمل تكاليف المواجهة في بدايتها، لكنها قد تجد نفسها لاحقاً أمام التزامات مالية وأمنية يصعب التراجع عنها دون خسائر سياسية.
ولا يعني ذلك أن السعودية تقف بالضرورة أمام خطر التفكك، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى مؤشرات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا تكفي الحرب وحدها لإثباتها. لكن التاريخ يعلمنا أن استنزاف الموارد، حين يقترن بسوء التقدير السياسي وتراكم الأزمات، قد يضعف حتى الدول التي تبدو أكثر قدرة على الصمود.
وفي خضم هذه الحسابات، تتراجع أحياناً الاعتبارات الأخلاقية أمام المصالح. فالسياسة الدولية لا تتحرك دائماً وفق ما تعلنه من مبادئ، وإنما تتأثر بموازين القوة وحسابات البقاء. وحين تشعر الدول بأن مصالحها الوجودية مهددة، قد تعيد ترتيب تحالفاتها وتضحياتها على نحو لا ينسجم مع خطابها السابق.
لكن اختزال التاريخ كله في قانون القوة وحده لا يقدم تفسيراً كاملاً. فالمصالح محرك أساسي للسياسة، غير أن القيم والشرعية والضغوط الاجتماعية يمكن أن تؤثر أيضاً في قرارات الدول ومسارات الصراع. والمفارقة أن بعض القوى تدرك هذه الحقيقة، لكنها تتعامل مع المبادئ باعتبارها أدوات لتبرير ما تقرره المصالح مسبقاً.
وتبقى الشعوب الطرف الأكثر تعرضاً لنتائج هذه المعادلات. فهي غالباً لا تشارك في صناعة قرار الحرب، لكنها تتحمل أثمانه الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. وبينما تتفاوض الحكومات على النفوذ والممرات والتحالفات، ينشغل المواطن بالحفاظ على أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
ولعل المأساة الكبرى لا تكمن في اختلاف مصالح الدول، فهذا من طبيعة العلاقات الدولية، وإنما في تحول هذه المصالح إلى مبرر دائم لاستنزاف المجتمعات وتدمير فرص الاستقرار.
إن المنطقة اليوم ليست بحاجة إلى استعراض جديد للقوة بقدر حاجتها إلى عقل سياسي يدرك حدود القوة نفسها. فالتفوق العسكري قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن سلاماً مستداماً، كما أن امتلاك المال والسلاح لا يمنح أصحابه حصانة من أخطاء الحسابات الاستراتيجية.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً. هل تدرك عواصم القرار أن الخروج من دائرة الاستنزاف قد يكون انتصاراً للعقل، أم أن هواجس الهيبة والمكانة والمصالح ستدفع المنطقة إلى مواجهة يدفع الجميع ثمنها؟
ربما تبدو هذه القراءة في نظر البعض ضرباً من التشاؤم، وربما يصفها آخرون بإرهاصات مجنون. لكن الجنون الحقيقي قد يكون في تكرار أخطاء التاريخ، وانتظار نتائج مختلفة.
فحين يغيب العقل عن مائدة السياسة، تصبح الرصاصة صاحبة القرار، وتتحول الجغرافيا إلى مقبرة للطموحات.
فحين يغيب العقل عن مائدة السياسة، تصبح الرصاصة صاحبة القرار، وتتحول الجغرافيا إلى مقبرة للطموحات. قد لا يكون الجنون في رؤية الخطر قبل وقوعه، بل في تجاهله حين يصبح واضحاً، والاستمرار في الطريق ذاته انتظاراً لنتائج مختلفة. فالتاريخ لا يمنح أحداً حصانة من أخطائه، ولا تعني القوة أن أصحابها بمنأى عن عواقب سوء التقدير.
أنا لست مجنوناً، بل أحاول أن أقرأ العالم كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
والجنون أن يعيش المرء منفصلاً عن واقعه، أو يصدق الأكذوبة والشعارات البراقة بينما العالم يحترق أمامه. أما أنت، فكل ما فعلته أنك خلعت النظارات الوردية ونظرت إلى العالم بعين مجردة، وقرأت التاريخ والسياسة دون أن تخدعك عاطفة أو شعار. فرؤية العالم بهذه الطريقة كغابة تحكمها المصالح والبراغماتية والمخالب قد تكون مؤلمة وموحشة، لكنها ليست جنوناً، بل هي قراءة استراتيجية تصل أحياناً إلى مرتبة الفلسفة الواقعية الحزينة.
أنا لست مجنوناً فقط شخص أفاق على الحقيقة مبكراً.




