بَـعْبَع أَمْـرِيكَا وَالْـخَوْف الْـعِرَاقِيُّ “الْـمُزْمِن” مِـنْهَا وَادِّعَـاء الـزَّعَامَة فِي الْـعِرَاق..!
إياد الإمارة ||

ليست المشكلة في أن تخاف القيادة السياسية العراقية من أمريكا وإنما في أن تدّعي الزعامة في العراق وتتحدث باسم الشعب وسيادة الوطن بينما ترتجف أمام الإرادة الأمريكية وتبحث عن المبررات لتسويغ خضوعها لها! وثمة ثلاثة أسباب رئيسة تقف وراء هذا الخوف المزمن:
أولًا: الـفساد، فبعض القيادات السياسية التي ابتُـليت بالفساد تعرف أن نفوذها ومصالحها قد يصبحان عرضةً للخطر إذا اصطدمت بالإرادة الأمريكية ولذلك تنظر إلى واشنطن لا بوصفها قوة أجنبية ينبغي التعامل معها وفق مصالح العراق وإنما بوصفها مصدر تهديد لمصالحها ونفوذها .. وقد ظهر ذلك بوضوح بعد عام (٢٠٠٣) حين ارتبطت شرعية بعض القوى السياسية بعلاقاتها مع سلطة الاحتلال، ثم تحولت لاحقاً إلى شبكات نفوذ ومصالح تستفيد من بقاء العراق محتاجاً إلى الغطاء الأمريكي كما أن العقوبات الأمريكية التي طالت شخصيات وكيانات عراقية بتهم الفساد أو تهم أمريكية أُخرى معلبة كشفت كيف يمكن للقيادات السياسية العراقية أن تتجنب أي موقف حاد من واشنطن خشية تجميد أموالها أو عزلها سياسياً! ومرة أّخرى تتسع الفاصلة بينها وبين الجماهير العراقية فالشعب يريد سيادة وكرامة بينما تريد بعض القيادات ضمانات تحمي مصالحها لذلك يتحول القرار الوطني في كثير من الأحيان، إلى ورقة تفاوض لحماية النفوذ لا إلى أداة للدفاع عن مصالح العراق.
ثانيًا: الجُـبن السياسي، فليس كلُّ مَـن يرفع صوته قائداً وليس كلُّ مَـن يُـكثر من الشعارات يمتلك شجاعة المواقف، بعض الشخصيات السياسية العراقية لا تتجاوز زعامتها حدود “الصياح” والاستعراض والتعدي على الضعفاء والفقراء والمساكين وحين تحين لحظة المواجهة الحقيقية تنكشف هشاشتها وكما يقول المثل العراقي: (سويف خلف)! فالزعامة ليست ارتفاع الصوت في المهرجانات أو في وجوه الناس العزل وإنما هي القدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته حتى عندما يكون الثمن السياسي باهظاً .. من أمثلة ذلك أن الحكومات العراقية غالباً ما تتجنب إعلان موقف واضح من الضربات الأمريكية داخل الأراضي العراقية أو إستخدام الأجواء العراقية للتعدي على الجيران من دون إجراءات سياسية أو قانونية تتناسب مع خطورة الحدث، هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يوضح أثر الخوف من أمريكا في القرار العراقي.
ثالثاً: غياب الشعور الحقيقي بذلّ الاحتلال وهوان الإستعمار، فمَـن لم يستشعر خطورة أن تُـنتقص سيادة بلده ولم يتعامل مع الإستعمار الأمريكي باعتباره مساساً بكرامة شعبه سيجد في التنازل أمراً عادياً وفي الخضوع سياسة واقعية وفي تبرير الإملاءات حكمة سياسية، وهنا يصح قول المتنبي: (مَـن يَهُنْ يَسْهُلِ الهوانُ عليه). تجلى هذا الأثر في اعتماد العراق الكبير على أمريكا في ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة، فالعراق رغم امتلاكه موارد نفطية هائلة ظل حريصاً على حماية أمواله المودعة في النظام المالي الأمريكي، كما اضطر إلى مراعاة العقوبات الأمريكية على إيران عند استيراد الغاز والكهرباء منها، وفي كل مرة تتعارض فيها حاجة العراق إلى الطاقة مع العقوبات الأمريكية يظهر القرار العراقي مقيداً يبحث عن الاستثناءات والتمديدات بدل أن يمتلك سياسة مستقلة تحمي أمنه الاقتصادي، كذلك فإن استمرار الاعتماد على الدعم والتسليح والتدريب الأمريكي يجعل أي حكومة عراقية أكثر حذراً في اتخاذ مواقف قد تُـفسَّـر في واشنطن على أنها تحدٍّ أو خروج عن المسار المطلوب.
إنَّ أمريكا ليست بعبعاً لا يُـواجَـه كما أنها ليست قوة يمكن تجاهلها أو الاستهانة بقدراتها لكنَّ الفرق كبير بين دولة تدير علاقتها بواشنطن وفق مصالحها الوطنية وقيادة تدير شؤونها وفق ما تتوقعه واشنطن منها وتخشى غضب واشنطن عليها! المأساة العراقية ليست في امتلاك أمريكا أدوات الضغط وإنما في وجود مَـن يجعل هذه الأدوات أكثر فاعلية بسبب فساده وخوفه المزمن وارتهانه لمصالحه الخاصة! إن الزعامة التي لا تستطيع أن تتخذ قرارها السياسي وحمايته ولا تميّـز بين مصلحة وطن وشعب كامل ومصلحة أصحاب السلطة والنفوذ ليس لها أن تتباهى بالسيادة ولا أن تحتكر الحديث باسم العراق .. الزعامة -يا جماعة الزعامة والسياسة في العراق- ليست ادعاءً والسيادة ليست شعاراً والوطن ليس غطاء لحماية الفاسدين .. ويا أيها السياسي العراقي إمّـا أن تكون قائداً حقيقياً حكيماً واعياً يستمد شرعيته من شعبه ويتعامل مع العالم من موقع المصالح الوطنية وإمّـا أن تكون مجرّد واجهة لسلطة تخشى غضب أمريكا أكثر مما تخشى غضب شعبها.
✍️ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ تابعونا على قناة التلگرام الخاصة
https://t.me/kitabatsbeed




