الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

ممرّ النار ـ  الحلقة الأولى: عدوٌّ مشغول..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

 

في سبعينيات القرن الماضي، جلس مناحم بيغين (رئيس وزراء إسرائيل آنذاك) إلى مائدة ضيقة مع موشيه ديان (وزير خارجيته وقائد عسكري سابق) وعدد من القادة. بدا السؤال أخلاقياً: هل نيّات العرب نحو السلام صادقة؟ لكنه كان في جوهره سؤالاً هندسياً: ما الذي يجعلنا نطمئن؟

أجاب أحد الحاضرين، وهو جنرال سابق قاد سلاح الجو الإسرائيلي ثم دخل السياسة، بجملة تختصر مدرسة كاملة: إسرائيل لا تطمئن لأنها أقوى، ولا لأن لها صديقاً دولياً نافذاً، بل لأن العرب منشغلون بصراعات أخرى لا علاقة لها بها.

ولفهم وزن الجملة نعود إلى ما سبقها. فقد بنى ديفيد بن غوريون (مؤسس إسرائيل وأول رئيس وزرائها) نظريته الأمنية على ثلاثة أعمدة: الردع والإنذار المبكر والحسم السريع. ثم جاء ديان في خطابه الشهير عند قبر شاب قُتل قرب الحدود عام 1956 ليقول إن هذا الجيل محكوم بأن يعيش والسلاح في يده، وإن الحقل لا يُزرع بلا خوذة ومدفع. هكذا تحوّل الاستعداد الدائم إلى فلسفة حياة.

وفي الخمسينيات والستينيات رسمت الاستراتيجية الإسرائيلية خريطة تُسمّى (عقيدة الأطراف). فكرتها أن تُحاط الدائرة العربية بدائرة أبعد من دول غير عربية صديقة، وكانت إيران في عهد محمد رضا بهلوي (آخر شاه لإيران) إحدى ركائزها. ثم جاءت ثورة 1979 التي قادها الامام الخميني فقلبت الخريطة، وصارت إيران تعرّف نفسها بأنها دولة مستقلة القرار لا تدور في فلك أحد.

ودفعت إيران ثمن هذا التعريف: حصاراً مالياً وعقوبات متراكمة وعمليات اغتيال وهجمات إلكترونية، وحرباً طويلة مع جارتها في ثمانينيات القرن الماضي. وفي يونيو 2025 جرت مواجهة قصيرة عنيفة سُميت حرب الأيام الاثني عشر. ثم في 28 فبراير 2026 بدأت عملية أمريكية إسرائيلية واسعة على الأراضي الإيرانية، واتسعت نيرانها إلى لبنان بعد أيام.

وماذا جرى منذ ذلك اليوم؟ في 8 أبريل أُعلنت هدنة لأسبوعين بوساطة باكستانية، جعلت خطة إيرانية من عشر نقاط أساساً للتفاوض. ثم تعثرت المحادثات عند عقدتين: الملف النووي والتحكم بمضيق هرمز. وعادت الضربات المتبادلة في الصيف، وأعلن الرئيس الأمريكي في يوليو أن الهدنة انتهت. وها نحن في أكتوبر أمام هدوء حذر: العمليات الكبرى متوقفة والدبلوماسية متعثرة، ولا أحد يضمن أن يطول.

نحو ثمانية أشهر والإقليم كله منشغل .

في الحلقة القادمة: لماذا لا تنجح الضربات في الفصل بين القيادة والشعب؟