السبت - 24 اكتوبر 2026

كيف غدر التاريخ وكُتّابه بأم أبيها.. الزهراء ع / 3/ فاطمة الزهراء في المصادر الشيعية..!

منذ ساعتين
السبت - 24 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

فاطمة الزهراء في المصادر الشيعية تُمثّل محوراً عقدياً وروحياً متكاملاً، حيث تجاوزت في أدبيات الفكر الإمامي حدود الشخصية التاريخية لتغدو رمزاً للولاية الكبرى والحقيقة المحمدية الممتدة.
يتناول هذا المقال المعمق حضور السيدة الزهراء عليها السلام في التراث والمدونات الروائية والتفسيرية عند الشيعة، من خلال عدة أبعاد أساسية:
اولاً – المنزلة التكوينية والحقيقة النورانية
تُحظى الزهراء في النصوص الروائية الشيعية بموقع تكويني فريد؛ إذ تُصور في بعض الرؤى الحديثية باعتبارها جوهرة نورانية سبقت الوجود المادي للبشرية.
سيدة نساء العالمين: تُوصف بأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، ويُربط رضاها برضا الله وغضبها بغضبه، استناداً إلى مضامين حديثية نبوية شهيرة روتها مصادر الفريقين مع خصوصية إمامية في توسيع دلالات العصمة والاصطفاء.
البضعة النبوية: يتردد في التراث الشيعي وصف النبي صلى الله عليه وآله لها بأنها “بضعة مني، من آذاها فقد آذاني”، وهو معيار عقدي وأخلاقي تمحورت حوله الكثير من قراءة الأحداث التاريخية اللاحقة لوفاة النبي.
ثانياً – الحضور التفسيري (سورة الكوثر وتأويلات الباطن)
تُعد الآيات القرآنية المرتبطة بأهل البيت محط اهتمام بالغ في التفاسير الشيعية (مثل تفسير القمي، وتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ومجمع البيان للطبرسي):
سورة الكوثر: تُفسر الكوثر في المصادر الشيعية غالباً بأنها الخير الكثير المتمثل في النسل المبارك الممتد عبر الذرية الفاطمية (الأئمة المعصومين)، وتُعتبر رداً على المطاعن المرتبطة بانقطاع النسل (الأبتر).
آية التطهير ومواضع الاصطفاء: تندرج الزهراء بوصفها ركناً أساسياً في أهل الكساء ضمن الآيات النازلة في الطهارة والعصمة المطلقة.
ثالثاً – البعد السياسي والمظلومية التاريخية
يمثل الجانب التاريخي المتعلق بفترة ما بعد رحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله محوراً جوهرياً في التدوين الشيعي حول السيدة الزهراء:
حوادث الدار ومظلومية الزهراء: تُفصّل المصادر الشيعية (المتقدمة والمتأخرة) وقائع السقيفة وتداعياتها على بيت الإمام علي والزهراء، وما رافقها من أحداث ككسر الضلع، وسقط المحسن، ومصادرة فدك.
خطبة الفدكية: تُمثل خطبتها الشهيرة في المسجد النبوي وثيقة سياسية، حقوقية، وعقائدية متكاملة؛ إذ طرحت فيها رؤية نقدية للسلطة القائمة، واحتجت بحقوقها الإرثية، ودافعت عن مبدأ الخلافة والولاية لأمير المؤمنين بأسلوب بلاغي رفيع.
رابعاً – المرجعية الروحية و”المصحف”
مصحف فاطمة: تذكر كتب الحديث الشيعية المعتبرة (مثل الكافي للكليني) وجود ما يُعرف بـ “مصحف فاطمة”، وهو ليس كتاب تشريع أو قرآناً بديلاً، بل وصف بأنه كتاب أملاه عليها جبرائيل عليه السلام لتسليتها بعد أبيه، ويحتوي على علم ما يكون، وأخبار المستقبل وأسماء ملوك الأرض.
الشفاعة والمقام الأخروي: تُمنح الزهراء في الأدبيات الروائية مقام الشفاعة الكبرى يوم القيامة، حيث ترتبط شفاعتها بمحبيها ومتبعي نهجها وأهل بيتها، وهو ما يعزز حضورها الوجداني في الذاكرة الدينية الجمعية.
قضية كسر ضلع ارزهراء ع عند الفريقين
قصة كسر الضلع للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام تُمثّل إحدى أبرز المسائل الخلافية التاريخية والعقدية بين المدارس الإسلامية، حيث تتباين الروايات والمواقف بين إثبات الحدث تفصيلاً في التراث الإمامي ونفيه أو تأويله في التراث السني.
تتجلى تفاصيل هذه القضية عند الفريقين عبر المحاور الآتية:
1 – الرواية في التراث الشيعي (الإثبات والتفصيل)
تعتمد المصادر الشيعية المتقدمة والمتأخرة على حزمة من النصوص التاريخية والحديثية التي تثبت وقوع الحادثة إثر تداعيات أحداث السقيفة وموقف بيت الإمام علي من البيعة:
السياق التاريخي: تُشير الروايات إلى أن مجموعة من الصحابة توجهوا إلى دار الزهراء لإحضار الإمام علي للبيعة، وما رافق ذلك من تدافع واقتحام للدار.
الحدث والتداعيات: تنص مصادر مثل كتاب (سليم بن قيس الهلالي) و(كامل الزيارات) و(بحار الأنوار) على وقوع العصرة وضربة السوط وكسر الضلع، فضلاً عن إسقاط الجنين (المحسن)، وتعتبر هذه الحوادث جزءاً أساسياً من مظلوميتها التي تُؤرخ في الأدبيات الدينية والذاكرة الجمعية.
2 – الموقف في التراث السني (النفي والإنكار أو التأويل)
في المقابل، تتفق الغالبية العظمى من مصادر أهل السنة والجماعة على إنكار هذه التفاصيل، وتتعامل معها ضمن رؤية مغطاة بإجلال الصحابة ومكانتهم:
الطعن في الأسانيد: يُشكك علماء أهل السنة (مثل ابن تيمة في منهاج السنة، وغيره من المحققين) في صحة الأسانيد الواردة في قصص كسر الضلع والإجهاض، ويعتبرونها من الروايات الضعيفة أو الموضوعة التي أدخلها الرواة في التاريخ.
الروايات البديلة: تُؤكد المدونات التاريخية السنية المعتمدة (مثل تاريخ الطبري، وتاريخ ابن خلدون، والبداية والنهاية لابن كثير) أن وفاة الزهراء جاءت متأثرة بحزنها الشديد على أبيها النبي محمد صلى الله عليه وآله، مع وجود بعض الإشارات المروية (مثل ما ذكره الإمام الشافعي أو بعض المتقدمين) حول أحداث خفيفة دون إثبات العنف الجسدي أو كسر الضلع.
موقف الصحابة: يرى جمهور أهل السنة أن العلاقة بين الخلفاء (أبو بكر وعمر) وأهل البيت كانت تسودها حرمة القرابة النبوية، وأن ما يُطرح من روايات صدام عنيف يعارض ما يُعتقد من توادّ وتراحم بينهم.
3 – نقاط التقاطع والاختلاف المنهجي
مظلومية الحزن والوفاة: يتفق الفريقان على أن السيدة الزهراء توفيت وهي واجدة (غاضبة أو عاتبة) على مسار الأمور السياسية بعد النبي، وتحديداً فيما يتعلق بقضية إرث فدك، حيث تشير صحيح البخاري ومسلم إلى أنها ماتت ولم تُكلم أبابكر في ذلك.
الفرق الجوهري: يكمن الخلاف في التكييف الفقهي والتاريخي؛ فالمدرسة الشيعية ترى في الحدث مظلومية دموية ومحطة مفصلية في الانقسام السياسي الإسلامي، بينما ترى المدرسة السنية أن الخلاف انحصر في إطار الاجتهاد السياسي والإداري دون وصول الأمور إلى الاعتداء الجسدي المباشر.