حزب الله دمّر الشيعة “وخرّب بيوتهم”..!
ناجي علي أمهز ||

من هنا أبدأ، وللأسف، لا بد من هذه المقدمة لتوضيح وجهة نظري. فعلى الرغم من عملي في السياسة منذ ثلاثين عاماً، وأنا اليوم في منتصف العقد السادس من عمري، لم ألتقِ بأشخاص من أحزاب مقربة من السوريين، إذ كنا، نحن الذين عارضنا الوجود السوري، على النقيض من قوى مثل حركة أمل والبعث والقومي وفرسان الحمر، وغيرها من الأحزاب والشخصيات، بما فيها شخصيات مسيحية، كانت محسوبة على السوريين.
أما حزب الله، فعلى الرغم من محاولاتي التواصل معه منذ أواخر التسعينيات، لم يتحقق أي تقارب فعلي. فقد انحصرت محاولاتي آنذاك في نقل هواجس المسيحيين إلى الحزب، بوصفي شيعياً يحمل صوتاً مسيحياً، خلال المرحلة القاسية التي عاشها المسيحيون والمعارضون للوجود السوري. وقد كتبت عن تلك المرحلة مراراً.
بدأ التعارف الفعلي مع الحزب بعد خلافي معه عام 2018، على خلفية الانتخابات النيابية. والمفارقة أن المعارضة الشيعية نفسها، حين تفكر في الترشح عن المقعد الجبيلي من خارج المنطقة، تسمع من خصوم الحزب أن “جبيل أصعب من كسروان، والغريب غريب”.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن فصل حزب الله عن البيئة الشيعية التي نشأ منها؛ فهو ليس كياناً هبط من خارج المجتمع، بل هو ابن هذه البيئة، يحمل في داخله جوانب من ثقافتها وقيمها وتقاليدها وطريقة تفكيره، لذلك قول ان حزب الله دمر الشيعة، كلام غير دقيق.
في أحد الصالونات السياسية، قال شخص شيعي معارض للحزب إن علتنا هي حزب الله. فردّ عليه شخص ماروني مرموق، متقدم في السن وبعيد كل البعد عن الحزب، قائلاً إن الشيعة آخر من يحق لهم انتقاد الحزب، لأنه نقلهم من واقع اجتماعي متواضع جداً، كانوا يصفون أنفسهم فيه بالمحرومين، إلى طائفة تنافس في التعليم والاقتصاد، وتمتلك نفوذاً سياسياً وحضوراً اجتماعياً مؤثراً. ثم طرح السؤال: ماذا فعل المجتمع الشيعي بما أتيح له من إمكانات؟
بالفعل، هنا السؤال: ماذا فعل المجتمع الشيعي؟ الذي اقصى النخب الشيعية على ندرتها، لصالح بعض المحسوبيات والاقارب.
أظهرت الحرب الاخيرة أن قسماً كبيراً من الميسورين الشيعة لم يتحمل مسؤولياته الاجتماعية تجاه أبناء طائفته. فالثروة ليست مجرد بناء منزل ضخم أو شراء سيارة أو الإنفاق على المطاعم والمناسبات؛ إنها ثقافة ومسؤولية وقدرة على الاستثمار في المجتمع وحماية المصالح الاقتصادية. فالمال الذي لا يتحول إلى قوة إنتاجية واجتماعية وثقافية يبقى ثروة فردية محدودة الأثر، مهما تضخم حجمه.
وعلى المستوى السياسي، تحولت العلاقة بين النائب والزعيم إلى معادلة تجعل رضا الزعيم أولوية، باعتبار أن الزعيم هو الذي يمنح المرشح طريقه إلى المجلس النيابي، بخلاف ما يواجهه كثير من المرشحين في الطوائف الأخرى من منافسة انتخابية تستلزم التواصل الدائم مع الناس، وتقديم الخدمات، واسترضاء الناخبين.
حتى على مستوى التقارب الديني، التقارب الشيعي الماروني موروث، اما التقارب السني الشيعي فقد بذل حزب الله جهدا دينيا وماليا هائلا لانجاحه.
أما في جبيل، حيث يشكل الشيعة مكوناً أساسياً في منطقة ذات تنوع ديني واجتماعي، فكان يُفترض أن يكون لهم دور ثقافي واجتماعي أوسع، لأن نشاطهم وانفتاحهم ينعكسان إيجاباً على صورة الطائفة كلها. وهذا يختلف عن واقع الشيعة في البقاع والجنوب والضاحية، حيث يغلب الحضور الشيعي على البيئة المحيطة، وتكون فرص الاحتكاك بالتنوع الديني والاجتماعي أقل في كثير من بقية المناطق.
في جبيل، يكاد الحضور الثقافي والأدبي والاجتماعي والسياسي يكون معدوماً، فيما ينصرف كثيرون إلى العمل والبناء والتجارة، من دون أن يتحول نجاحهم الفردي إلى نهضة شيعية ووطنية عامة.
أتحدث هنا عن جبيل بوصفها نموذجاً للمقارنة. والمفارقة أن حزب الله قدم لهذه القرى خدمات واسعة، من حفر الآبار وإصلاح الطرقات ودعم البلديات وتأمين الطاقة الشمسية وتشغيل مولدات الكهرباء، إلى تقديم المساعدات الاجتماعية والإعاشات ودعم الزراعة والبناء.
أما في البقاع وبعض المناطق المكتظة، فقد ساهم الحزب في مكافحة الاتجار بالمخدرات، وتسوية نزاعات عائلية كان يمكن أن تستمر معها دوامة الثأر، ومواجهة الربا عبر تقديم المساعدات المالية. كما تحمل أعباء اجتماعية واقتصادية كبيرة، وساهم في توفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشبان الشيعة، كي لا ينحرفوا نتيجة البطالة والظروف الاقتصادية التي أسهمت فيها سياسات المحاصصة التي سادت الدولة سابقاً، من دون أن تكون له مكاسب مباشرة من هذه الجهود.
سياسياً، حقق الحزب إنجاز تحرير الجنوب، وأسهم في نهضة عمرانية واسعة لم يكن الشيعة يحلمون بمثلها، ولا سيما بعد حرب عام 2006. لكن المشكلة، في رأيي، أن حجم الدعم لم يقابله تطور اجتماعي وثقافي ومؤسساتي يتناسب معه.
فالمساعدات، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء مجتمع منتج إذا لم تترافق مع ثقافة المسؤولية والمبادرة والمشاركة العامة.
هذا لا يعني أن حزب الله لم يخطئ. لقد ارتكب أخطاء سياسية وإعلامية، وقد كتبت عن ذلك صراحة. لكن فهم تلك الأخطاء يستلزم العودة إلى مرحلة الوصاية السورية، حين احتفظ الحزب بقرار المقاومة، بينما كان القرار السياسي والإعلامي خاضعاً إلى حد بعيد للنفوذ السوري، الذي فرض على الحزب شخصيات سياسية وإعلامية، كان بعضها يعمل مخبراً وكتاب للتقارير لمصلحة المخابرات السورية. وكان الحزب يتجنب الصدام مع دمشق حفاظاً على خطوط إمداده السورية.
لذلك، فإن اختزال كل ما أصاب الشيعة بالقول إن حزب الله دمّرهم ليس توصيفاً دقيقاً. فالمجتمع نفسه لم ينجح دائماً في تحويل ما حصل عليه من دعم وثقل سياسي إلى تنمية مستدامة ومؤسسات وثقافة عامة. وهي مشكلة لا تقتصر على لبنان، بل تظهر أيضاً في تجارب سياسية أخرى، ومنها العراق، حيث لم يمنع وصول قوى شيعية إلى السلطة انتشار الفساد والأزمات، ما يؤكد أن امتلاك السلطة لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة في إدارتها.
أما ما حلّ بالجنوب في الحرب الأخيرة، فلا يمكن تفسيره حصراً بوجود حزب الله أو غيابه. فالتاريخ الإسرائيلي منذ عام 1948 يقدم شواهد كثيرة على استخدام التدمير والقتل الواسع في الحروب، من مجازر خان يونس وبحر البقر إلى ما نشهده اليوم في غزة. وسواء امتلك حزب الله بندقية كلاشينكوف أو صواريخ، فإن إسرائيل أثبتت، في حروبها، استعدادها لاستخدام قوة تدميرية هائلة. والدليل ما يجري في غزة، حيث واجهت القوات الإسرائيلية فصائل مقاومة لا تمتلك قدرات عسكرية متكافئة معها، ومع ذلك تعرضت المنطقة لدمار واسع وسقط آلاف الضحايا. وقد استخدمت تلك الفصائل، في بعض عملياتها، وسائل بدائية، منها وضع قذائف يدوية الصنع على الدبابات.
هذا لا يعفي أحداً من مناقشة الخيارات السياسية والعسكرية، لكنه يفرض التمييز بين نقد القرارات وبين تحميل حزب قدّم وضحّى مسؤولية ما يتعرض له الشيعة وحده.
الخلاصة أن حزب الله قدّم الكثير لطائفته، لكنه لم يستطع وحده تغيير بنيتها الاجتماعية والثقافية؛ لأن بناء المجتمعات لا يتحقق بالمال والخدمات والنفوذ فقط، بل يحتاج إلى الوعي والمبادرة والمشاركة.
أما مأساة الجنوب، فهي أيضاً نتيجة تداخل الجغرافيا والديمغرافيا والصراع الديني التاريخي بالمنطقة، وليست حكاية يمكن اختصارها في حزب أو طائفة.




