التهديد كأداة تفاوض.. فن الدبلوماسية القسرية في الملف الإيراني..!
علاء الطائي ||

بداية..مفارقة الدماء والمعايير المزدوجة.
“الدم عند الغرب يوزن بالهوية لا بعدد الضحايا”.. بهذه الكلمات القاسية لخص المغرد د. صلاح المهيني ما يعتمل في ضمير الملايين.
مفارقة أخلاقية صارخة تتحكم في ردود الفعل الدولية.
فبينما تتحرك الدبلوماسية الغربية بسرعة لـ “500 ضحية” في مكان تظل صامتةً إزاء عشرات الآلاف في مكان آخر.
هذه الازدواجية ليست خطأً في الحساب بل هي القاعدة غير المعلنة في سياسات القوى العظمى.
القيمة النسبية للإنسان تُقاس بانتمائه الجيوسياسي وموقعه من خريطة المصالح.
من هذه المفارقة الأخلاقية ننطلق لتسليط الضوء على واحدة من أبرز أدوات هذه السياسات.
التهديد العسكري الممنهج.
أو ما يُعرف أكاديمياً بـ “الدبلوماسية القسرية” والتي تمثل المشهد الحالي في التصعيد الأمريكي تجاه إيران.
.أولاً.. الدبلوماسية القسرية.
عندما يصبح التهديد لغةً
الدبلوماسية القسرية “Coercive Diplomacy” هي فن استخدام التهديد بالقوة أو تطبيق عقوبات استثنائية لإجبار الخصم على تغيير سلوكه أو قبول شروط محددة دون الاضطرار إلى خوض حرب شاملة.
الفرق بينها وبين الردع “Deterrence” جوهري.
الردع يهدف إلى منع الخصم من فعل شيء أما القسر فيهدف إلى إجباره على فعل شيء “الانسحاب أو التفاوض” أو التراجع عن فعل سابق.
تاريخياً.. استخدمت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية في أزمات كبرى.
من حرب الخليج الثانية لإخراج العراق من الكويت إلى الأزمة الكوبية 1962.
النجاح فيها ليس مضموناً ويعتمد على
.مصداقية التهديد
.ووضوح الهدف
.وقدرة الخصم على التحمل.
. ثانياً..الأدوات القسرية الأمريكية ضد إيران.. ترسانة متعددة الأوجه
التهديد العسكري المباشر هو فقط الورقة الأبرز في حزمة قسرية متكاملة.
١. العقوبات الاقتصادية الشاملة. وهي قسر بطيء ومؤلم يهدف لتجويع النظام من موارد بقائه ودفع الشارع للإحباط.
٢. الحشد العسكري الظاهر.
نشر حاملات الطائرات “مثل أيزنهاور وفورد” وتعزيز القواعد في الخليج هو رسالة مرئية موجهة لإيران والعالم مفادها “الجيش جاهز”.
٣. الخطاب السياسي المتصاعد. بيانات البنتاغون والبيت الأبيض التي ترفع سقف التهديد وتصرح بأن “جميع الخيارات مطروحة”.
٤. التحالفات الإقليمية الضاغطة. تعزيز التعاون العسكري مع إسرائيل في ما يُسمى “التحالف الجوي الإقليمي” وتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية لبناء جبهة إقليمية معادية لإيران.
هذه الأدوات معاً تشكل حزمة ضغط هائلة تهدف إلى نقل رسالة واضحة لإيران.
تكلفة الاستمرار في سياساتك الحالية “النووية أو الإقليمية” ستكون باهظة للغاية.
. ثالثاً..لماذا الضربة المباشرة غير مرجحة؟
حدود القسر وخطوطه الحمراء
رغم حدة الخطاب ثمة جدران سميكة تمنع تحول التهديد إلى ضربة مباشرة فورية.
. التكلفة الاقتصادية العالمية.
أي ضربة ستشعل أزمة طاقة فورية.
. إغلاق مضيق هرمز “ولو جزئياً” سيصعد أسعار النفط إلى مستويات قياسية مُضرِباً بالاقتصاد العالمي الهش أصلاً.
. مستنقع التصعيد الإقليمي.
لن ترد إيران من موقع الضعف. قدرتها على الرد عبر أنصارها في العراق ولبنان واليمن أو بصواريخها الباليستية تعني فتح جبهات متعددة قد تخرج عن السيطرة.
. الحسابات الانتخابية الأمريكية. دخول حرب جديدة في الشرق الأوسط قبل أشهر من انتخابات رئاسية هو مغامرة سياسية لا يرغب فيها أي طرف.
. عامل الفتوى والهوية .
قد يتحول الصراع من مواجهة بين دولتين إلى حرب هويات مذهبية عابرة للحدود تهدد المصالح الأمريكية في كل مكان.
. المنافس الاستراتيجي الأكبر . تركز الاستراتيجية الأمريكية على المنافسة مع الصين كأولوية قصوى.
حرب مع إيران تشتت الموارد والانتباه وتستنزف القوة الأمريكية في مستنقع شرق أوسطي من جديد.
.رابعاً..سيناريوهات المستقبل.
بين التفاوض والهاوية
بناءً على ذلك تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
١. سيناريو التفاوض تحت الضغط “الأرجح”.. الهدف النهائي للعبة التهديد هو إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية أقوى.. خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي ونفوذها الإقليمي.
قد نرى مفاوضات خلف الأبواب المغلقة بعد اشتداد وطأة العقوبات.
٢. سيناريو التصعيد المحدود والمستمر.
استمرار حرب الوكالة في المنطقة مع ضربات خفية ومتبادلة “سيبرانية- استهداف منشآت- اغتيالات استخباراتية” دون عبور عتبة الحرب المباشرة العلنية.
٣. سيناريو الانفلات والمواجهة الشاملة “الأسود” حدوث خطأ في الحساب أو هجوم مباشر كبير من أحد الوكلاء يؤدي إلى رد متسلسل لا يمكن إيقافه.
هذا السيناريو تبقى احتمالية منخفضة لكنها ليست معدومة وهو الكابوس الذي يحرص الجميع على تجنبه.
المحصلة النهائية عندما تتحول الأرواح إلى أرقام في معادلة المصالح
تعيدنا الدبلوماسية القسرية في الحالة الإيرانية إلى النقطة الأخلاقية التي بدأنا بها.
إنها لعبة خطيرة تستخدم رفاهية الشعوب وأمنها وحتى أرواحها كرهائن في مساومة جيوسياسية…الضحايا سواء كانوا ضحايا العقوبات الاقتصادية الخانقة داخل إيران أو ضحايا الحروب بالوكالة في دول الجوار هم الوقود غير المرئي لهذه الاستراتيجية.
التهديد الأمريكي لإيران اليوم هو مسرحية ضغط معقدة تُعرض على حافة الهاوية.
قد تنجح في دفع الأطراف إلى تفاوض جديد وقد تسقط بالجميع في هاوية الحرب.
لكن الثابت الوحيد في كل الأحوال هو أن منطق “المعايير المزدوجة” سيستمر.
فبعض الدماء ستبقى “فظيعة” وبعضها الآخر سيبقى “تفصيلاً” في سجلات التاريخ ليس لأن قيمتها مختلفة بل لأن من يكتب التاريخ يزنه بميزان مصلحته لا بميزان إنسانيتها.
فبينما تتدفق الدماء تبقى الحقيقة الأولى.
في عالم السياسة الواقعية تُقاس قيمة الإنسان بثمن حليفه.
لا بثمن روحه.”




