الخميس - 22 اكتوبر 2026

العراق من ساحة الصراع إلى صناعة الأمن الإقليمي.. هل تستطيع بغداد الانتقال من استهلاك الأمن إلى المشاركة في بناء نظام إقليمي جديد؟!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 22 اكتوبر 2026

أمين السكافي ـ لبنان ||

 

 

 

لم يكن العراق، طوال العقود الماضية، مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها، بل كان في كثير من الأحيان ساحةً تتقاطع فوق أرضها مشاريع القوى الإقليمية والدولية، وتُصفّى فيها حسابات تتجاوز حدودها. فمن الحروب المتعاقبة، إلى الاحتلال الأميركي عام 2003، مروراً بصعود تنظيم «داعش» عام 2014، وصولاً إلى التنافس الأميركي الإيراني، ظل العراق يدفع أثماناً باهظة نتيجة اختلال التوازنات في محيطه. لكن بغداد تحاول اليوم تقديم صورة مختلفة عن دورها، عنوانها الانتقال من موقع الدولة المستهلكة للأمن إلى موقع الدولة المساهمة في إنتاجه.

وفي هذا السياق، اكتسبت استضافة بغداد الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، يومي 17 و18 تشرين الأول 2026، أهمية تتجاوز البعد البروتوكولي، ولا سيما مع طرح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مبادرة لعقد اجتماع يجمع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، تحت صيغة «6+1». فهل نحن أمام بداية تحول استراتيجي في موقع العراق، أم محاولة دبلوماسية جديدة تصطدم بتناقضات المنطقة وموازين القوى فيها؟

من دولة منهكة إلى طموح إقليمي

إن فهم التحول الذي يسعى إليه العراق يقتضي العودة إلى جذور أزمته. فمنذ عام 2003، أعاد إسقاط النظام العراقي السابق تشكيل البيئة السياسية والأمنية للبلاد، وفتح المجال أمام نفوذ أميركي مباشر، بالتوازي مع اتساع الدور الإيراني في السياسة العراقية. ثم جاء تمدد «داعش» ليكشف هشاشة المؤسسات الأمنية، ويهدد وحدة البلاد، ويستدعي تدخلاً عسكرياً واسعاً، قبل أن تتمكن القوات العراقية، بمساندة قوى متعددة، من استعادة معظم الأراضي التي سيطر عليها التنظيم.

أنتجت هذه التجربة معادلة قاسية: العراق يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وموارد اقتصادية كبيرة، وثقلاً سكانياً وسياسياً، لكنه ظل عاجزاً عن تحويل هذه العناصر إلى استقلال استراتيجي كامل.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال العراق في كونه ساحة نفوذ. فقد أظهرت مبادرات الحوار الإقليمي، ولا سيما مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة عام 2021، أن لدى الدولة العراقية فرصة لتوظيف موقعها وعلاقاتها المتشعبة في تقريب الخصوم. كما شهدت بغداد محادثات بين السعودية وإيران، في مسار استضافته العراق خلال عامي 2021 و2022، وأسهم في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين.

وعليه، فإن المبادرة الجديدة ليست انطلاقاً من فراغ، بل امتداد لمحاولة عراقية لإعادة تعريف الدور الوطني: بدلاً من أن يكون العراق موضوعاً للتفاوض بين الآخرين، يريد أن يصبح مكاناً لصناعة التفاهمات.

منظمة التعاون الإسلامي: منصة للشرعية السياسية

شكّلت استضافة الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي فرصة لبغداد لتأكيد قدرتها على جمع الدول الإسلامية حول طاولة واحدة، في مرحلة تتزايد فيها الأزمات السياسية والعسكرية والإنسانية.

وبحسب البيانات المنشورة عن الاجتماع، شاركت 55 دولة، ومثّل وزراء الخارجية 22 دولة على المستوى الوزاري، واعتمدت الدورة «إعلان بغداد»، مع تأكيد مركزية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، إلى جانب مناقشة أزمات المنطقة ومكافحة الإرهاب والقضايا الإنسانية والتنموية.

لكن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن في عدد الوفود أو في البيانات الختامية وحدها، بل في قدرة العراق على تحويل الاستضافة إلى نفوذ سياسي مستدام. فالشرعية الدبلوماسية التي توفرها منظمة التعاون الإسلامي تمنح بغداد مساحة أوسع للتحرك، لكنها لا تمنحها تلقائياً القدرة على فرض تسويات أو ضمان تنفيذها.

وهنا يظهر الفارق بين إدارة مؤتمر ناجح وقيادة مسار أمني إقليمي: الأول يحتاج إلى التنظيم والتوافق، أما الثاني فيحتاج إلى الثقة المتبادلة، واستمرارية الحوار، والقدرة على تقديم ضمانات مقبولة لجميع الأطراف.

مبادرة «6+1»: لماذا إيران والخليج؟

تقوم المبادرة العراقية، وفق ما أعلنه وزير الخارجية فؤاد حسين عقب اختتام الاجتماع، على العمل لعقد لقاء في بغداد يجمع دول مجلس التعاون الخليجي الست وإيران. وأوضح أن العراق سيتواصل مع الدول المعنية، بالتعاون مع الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، للوصول إلى نتائج مقبولة. والمهم هنا أن المبادرة طُرحت بوصفها مساراً يجري العمل على عقده، لا اتفاقاً أمنياً اكتملت شروطه أو انعقد اجتماعه بالفعل.

تنبع أهمية هذه المبادرة من طبيعة العلاقة بين إيران ودول الخليج، حيث تتداخل المخاوف الأمنية مع التنافس السياسي والعسكري، وأمن الملاحة والطاقة، والعلاقات مع القوى الدولية، فضلاً عن النزاعات التي تتأثر بها دول عربية عدة.

ومن منظور العراق، فإن تخفيف التوتر بين الطرفين ليس مسألة خارجية فحسب؛ إنه ضرورة داخلية أيضاً. فكل تصعيد أميركي إيراني أو خليجي إيراني يضع بغداد أمام ضغوط متعارضة، ويهدد استقرارها الاقتصادي والأمني، ويضيّق هامش استقلال قرارها.

لذلك، فإن جمع إيران والخليج حول طاولة واحدة قد يمنح العراق فرصة لتقليص احتمالات انتقال الصراع إلى أراضيه، ويؤسس لمعادلة تقوم على أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى باستبعاد دولة محورية أو بتحويل الدول العربية إلى ساحات لتبادل الرسائل العسكرية.

لكن نجاح المبادرة يتطلب أكثر من حسن النيات. فالدول الخليجية تحتاج إلى ضمانات جدية بشأن احترام سيادتها وأمنها، فيما تتمسك إيران بمصالحها الإقليمية ومخاوفها الاستراتيجية. وبين الطرفين تتدخل حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتقاطع ملفات اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وأمن الخليج والممرات البحرية. ومن هنا، فإن أي حوار ناجح ينبغي أن يبدأ بالقضايا الممكنة، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً.

هل يستطيع العراق إنتاج الأمن الإقليمي؟

الانتقال من استهلاك الأمن إلى إنتاجه يعني أن يمتلك العراق القدرة على المساهمة في وضع قواعد مشتركة تمنع التصعيد، لا أن يكتفي بطلب الحماية أو احتواء نتائج الصراعات بعد اندلاعها.

وهذا التحول ممكن نظرياً، لكنه مشروط بثلاثة عناصر أساسية.

أولاً، بناء دولة قوية ذات قرار سيادي موحد. فلا يمكن للعراق أن يؤدي دور الوسيط إذا بقيت مؤسساته عرضة للتجاذبات الحزبية، أو إذا تعارضت قرارات الدولة مع حسابات قوى مسلحة أو مراكز نفوذ داخلية. إن قوة الوسيط لا تنبع من علاقاته المتعددة وحدها، بل من قدرته على اتخاذ موقف وطني مستقل والالتزام به.

ثانياً، الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية. فالعراق يرتبط بإيران بروابط جغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، كما يحتاج إلى علاقات مستقرة مع دول الخليج، وشراكة متوازنة مع الولايات المتحدة، وانفتاح على القوى الدولية. ولا يتطلب التوازن قطع العلاقات مع طرف لإرضاء آخر، بل منع أي طرف من تحويل العلاقة الثنائية إلى أداة للتحكم بالقرار العراقي.

ثالثاً، تحويل الحوار إلى آليات مؤسسية. فالمؤتمرات لا تمنع الحروب وحدها. المطلوب إنشاء قنوات اتصال دائمة، وتبادل المعلومات حول التهديدات، وآليات لاحتواء الحوادث العسكرية، والتفاهم على حماية الملاحة والبنى التحتية، وصولاً إلى مبادئ متبادلة لعدم التدخل واحترام السيادة.

التناقضات التي تهدد المشروع

غير أن الطريق أمام بغداد محفوف بتناقضات لا يمكن تجاهلها. فالعراق الذي يريد الوساطة هو نفسه دولة تتأثر مباشرة بالصراع الأميركي الإيراني، وتعيش داخله تيارات سياسية تتباين رؤيتها لطبيعة العلاقة مع طهران وواشنطن والعواصم الخليجية.

كما أن الوساطة تحتاج إلى ثقة الأطراف. فإذا اعتبر طرف أن بغداد أقرب إلى خصمه، فقد يشكك في حيادها؛ وإذا حاول العراق إرضاء الجميع من دون تحديد قواعد واضحة، فقد يفقد القدرة على التأثير. فالحياد هنا لا يعني الوقوف على مسافة واحدة أخلاقياً من جميع السياسات، بل يعني الالتزام بقواعد معلنة للحوار، ورفض استخدام الأراضي العراقية منصة للاعتداء على الآخرين.

وثمة تحدٍّ آخر يتمثل في التدخلات الدولية. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى أمن العراق بمعزل عن وجودها العسكري ومواجهتها لنفوذ إيران، فيما تتابع طهران أي ترتيبات إقليمية من زاوية مصالحها ومخاوفها الأمنية. كذلك، لا يمكن تجاهل إسرائيل وما تثيره سياساتها العسكرية من توترات إقليمية. ولذلك، لا يستطيع العراق إنتاج نظام أمني مستدام إذا بقيت التفاهمات محصورة في العواصم الإقليمية من دون معالجة تأثير القوى الدولية.

الخلاصة: من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا التفاهم

إن استضافة بغداد الاجتماع الثاني والخمسين لمنظمة التعاون الإسلامي وطرح مبادرة «6+1» يمثلان فرصة سياسية مهمة، لكنهما لا يشكلان، بحد ذاتهما، دليلاً على اكتمال التحول الاستراتيجي العراقي.

فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات: هل تنجح بغداد في جمع إيران والخليج؟ وهل تستطيع تحويل اللقاء، إذا انعقد، إلى حوار دوري ينتج تفاهمات عملية؟ وهل تمتلك الدولة العراقية من التماسك الداخلي والاستقلال السياسي ما يسمح لها بحماية هذا المسار من ضغوط الخارج وانقسامات الداخل؟

إن العراق لا يحتاج إلى أن يكون خصماً لإيران كي يثبت استقلاله، ولا تابعاً للولايات المتحدة كي يضمن علاقته بالغرب، ولا مجرد طالب دعم من الخليج كي يعيد بناء اقتصاده. إنه يحتاج إلى دولة تعرف مصالحها، وتدير علاقاتها وفق هذه المصالح، وتدرك أن الموقع الجغرافي الذي جعل أرضه ممراً للصراعات يمكن أن يتحول، إذا اقترن بالمؤسسات والسيادة والدبلوماسية، إلى جسر للتفاهمات.

وهنا تكمن الفرصة التاريخية: أن ينتقل العراق من بلد تُرسم التوازنات فوق أرضه إلى دولة تشارك في رسمها. أما نجاح هذه النقلة، فلن تقيسه صور المؤتمرات ولا عناوين المبادرات، بل مقدار ما تستطيع بغداد أن تمنعه من حروب، وما تستطيع أن تبنيه من ثقة، وما تحققه لشعبها من أمن واستقرار وسيادة.