الخميس - 22 اكتوبر 2026

قال تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿196﴾..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 22 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿196﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿سورة آل عمران: 197﴾

نعم، إن أعداءنا من الذين كفروا وطغوا وظلموا يملكون قدرات هائلة وإمكانات ضخمة، ويتحركون في أرجاء العالم، وينهبون الثروات، ويتحكمون في مصائر الشعوب، ويفرضون إرادتهم على دول ومجتمعات ومؤسسات دولية. كل ذلك صحيح، وهذا ما نراه، لكن ما نراه اليوم ليس حالة دائمة، ولا قوة خالدة، إنها فترة من القوة والرخاء، ثم مصيرهم إلى عواقب وخيمة في الدنيا، ثم اضمحلال وزوال وحساب عسير بين يدي الله الذي لا تضيع عنده مَظلَمَة مظلوم.

هذا ما تفيده الآية الكريمة، التي تقوم على فكرة جوهرية: ألا نجعل ما نراه من قوة أعدائنا اليوم ورفاهيتهم ورغيد عيشهم، حكمًا نهائيًا على مستقبلهم، فنظن أنهم سيبقون على ما هم عليه من قوة وقدرة. وألّا نخلط بين امتلاكهم القوة وامتلاكهم الحق.
لقد ورد في سبب نزول الآيتين، أن المشركين في مكة ويهود المدينة كانوا يتمتعون بالرخاء والثروة والقوة، بينما كان المسلمون يعانون ضيقًا اقتصاديًا بسبب الهجرة والحصار، فكان بعضهم يتساءل: كيف ينعم أعداء الله ويعاني المؤمنون؟ فنزلت الآيتان تجيبان على ذلك، وتبيّنان حقيقة الأمر، وتصحِّحان طريقة النظر إلى الواقع، وتحذِّران من الاغترار بما يحققه الكافرون والظالمون والطغاة من حرية في الحركة، على امتداد الأرض، ونفوذ سياسي واقتصادي، ونجاح مادي.
يقول تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾. والاغترار هو أن ينخدع الإنسان بما يظهر أمامه، فيحمله ذلك على تقدير الأمر على غير حقيقته. وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ تحذير من أن تتحول مظاهر حركة الكافرين ومكاسبهم ونفوذهم إلى مصدر انخداع يفضي إلى أحكام خاطئة بشأن حقيقة قوتهم ومصيرهم
والتقلُّب هو التحوّل من حال إلى حال. فهو يوحي بما يملكه هؤلاء من حركةٍ وقدرةٍ على التصرف، وما يحققونه من مكاسب ونجاحات ونفوذ. وقد يرى الإنسان توسع قوتهم، أو كثرة أموالهم، أو سيطرتهم على مواقع مؤثرة في العالم، فيتصور أن ما بلغوه سيبقى على حاله، وأن مقاومة نفوذهم ضربٌ من المستحيل.
لكن الآية الكريمة ترفض هذا الاستنتاج. فكل قوة بشرية، مهما عظمت، تظل قوة محدودة، لها أسبابها وحدودها، وتخضع للتغيُّر والزوال. قد تنمو وتتمدد برهة من الزمن، ولكنها تضعف وتتراجع، عندما تتغير الظروف التي منحتها تفوقها.

ومما لا شك فيه أن المشكلة ليست في أن نرى قوة أعدائنا، فالقرآن لا يدعونا إلى إنكار موازين القوة، ولا إلى إهمال الإعداد والأسباب، وإنما يدعونا إلى النظر إليها بواقعية، فنعرف ما يملكه الأعداء، وندرك نقاط قوتهم وضعفهم، من غير أن نمنحهم صفة القوة المطلقة التي لا تُقاوَم ولا تتغير. وأنهم أرباب هذه الأرض يتصرفون فيها متى وكيف يشاؤون.

وحين يعظّم الإنسان خصمه في نفسه، غالبًا ما يبدأ بالتنازل له قبل أن يطلب منه التنازل، وقد يتبنى أفكاره لأنه يظن أن القوة دليل على صوابها، وقد يتخلّى عن مشروعه لأنه يتصور أن المستقبل محجوز لمن يملك النفوذ اليوم.

ولهذا يريد القرآن الكريم أن يحرّرنا من الرهبة التي تصنعها مظاهر القوة، حتى لا تتحول إلى خضوعٍ نفسي، ثم إلى التنازل عن المبادئ، أو تقليد العدو في أفكاره ومواقفه، والتماهي معه في عاداته ونمط عيشه، وقبول لقيمه ومفاهيمه.

فالذي يحققه هؤلاء من ثروة وقدرة ونفوذ ورغد عيش، مهما بدا عظيمًا في أعين الناس، يظل محدودًا إذا قيس بالعاقبة النهائية.

إنه ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. ومنفعة عاجلة ذات أمد قصير. ومهما عظمت المكاسب الدنيوية، فإنها تظل متاعًا محدودًا إذا قورنت بالعاقبة الأخروية التي تبيّنها الآية. ولا يعني ذلك أن كل نجاح مادي يزول فورًا، أو أن القوة ستنهار في وقت قريب، بل يعني أن النجاح الحاضر لا يضمن الخلود، ولا يشهد لصاحبه بأنه على الحق. فقد يحقق بعض الظالمين مكاسب مادية لأنهم لا يلتزمون في جمع المال بحدود العدل، بينما يحرص المؤمن على مراعاة ضوابط أخلاقية لا يجوز له تجاوزها، ولهذا لا تكون المقارنة بينهما عادلة إذا اقتصرنا على مقدار ما يجمعه كل منهما، وأهملنا الطريق الذي سلكه لجمعه.

ثم تذكر الآية العاقبة الوخيمة التي يؤول أمرهم إليها: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فالحساب لا ينتهي عند ما يحل بهم من نقمة الله في الدنيا، بل يمتد إلى الآخرة، إلى جهنم التي ليست إلا تجسُّدًا لما ارتكبوه من فظائع وشرور وظلم في الدنيا.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 22/10/2026 الساعة (05:40)