سعر الصرف من جانب اخر..!
عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

عندما كان سعر الدولار الرسمي عند حدود 132 ألف دينار لكل 100 دولار، كان التجار والمستوردون يغطّون استيراداتهم بالدولار وفق السعر الرسمي، لكنهم، في المقابل، لم يتعاملوا يوما مع المستهلك وفق هذا السعر، بل كانت جميع الأسعار في الأسواق تُحتسب على أساس السعر الموازي، الذي تجاوز في الأيام الأخيرة قبل تغيير سعر الصرف حاجز الـ160 ألف دينار لكل 100 دولار.
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة تأثير تغيير سعر الصرف، مفادها أن (المتضرر) الأول من تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي هو (المضارب) الذي كان يستفيد من هذه الفجوة! إذ إن السعر الرسمي الجديد البالغ 150 ألف دينار لكل 100 دولار، مع استمرار البنك المركزي في توفير الدولار لتلبية حاجة السوق، قد يدفع بالسعر الموازي إلى الاستقرار في نطاق يقترب من السعر الرسمي، وربما بين 150 و160 ألف دينار.
وبهذه المعادلة، فإن الفارق الذي كان يتجاوز سابقا 30 ألف دينار لكل 100 دولار، قد ينخفض إلى بضعة آلاف فقط، ما يعني تراجع هامش الربح الناتج عن فرق سعر الصرف، وليس بالضرورة ارتفاع أسعار السلع والخدمات بالنسبة نفسها.
لذلك، فإن الحديث عن ارتفاع جامح وحتمي للأسعار بسبب تغيير سعر الصرف يحتاج إلى شيء من التريث، فقد تشهد الأسواق، بطبيعة الحال، موجة ارتفاع أو مضاربات في الأيام الأولى، مستفيدة من حالة الترقب والقلق، لكن استمرارها ليس أمرا حتميا، خصوصا إذا نجح البنك المركزي في توفير الدولار وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، ونجحت الحكومة في تأمين حاجة السوق من المواد الغذائية والمتطلبات الحياتية الاخرى، وثمة جهود كبيرة تُبذل في هذا المجال، من بينها اطلاق الاستيراد لبيض المائدة واللحوم، وايقاف استيفاء الرسوم الكمركية والضرائب عليها.
المعادلة ببساطة.. كلما اقترب السعر الموازي من السعر الرسمي، ضاقت مساحة المضاربة، وتراجع هامش الاستفادة من فرق سعر الصرف، وبالتالي يفترض أن ينعكس ذلك تدريجيا على استقرار الأسعار، لا على انفلاتها.
وبانتظار القراءات والتحليلات الاقتصادية المنطقية للمشهد، في ظل المتغيرات الناتجة عن تغيير سعر الصرف، من المهم ألا يتحول هذا الملف إلى مادة للخطابات الشعبوية، أو إلى وسيلة لإثارة الشارع وتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية مستقبلية. فالاقتصاد لا يُدار بالشعارات، ولا تُقاس آثار السياسات النقدية بانطباعات اللحظة الأولى، وإنما بنتائجها على السوق والأسعار والإنتاج والاستثمار والقدرة الشرائية.
ومن المفيد، في هذا السياق، أن ننظر إلى تجارب اقتصادات أخرى، فقد لجأت دول مثل الصين وهو الامبراطورية الاقتصادية في العالم، وتركيا، في مراحل مختلفة، إلى سياسات تستهدف التأثير في قيمة عملاتها (الايوان الصيني والليرة التركية)، بما يخدم أهدافا اقتصادية، من بينها دعم القدرة التنافسية للصناعة الوطنية وتشجيع الصادرات وجذب الاستثمارات.
وبالتالي، فإن الحكم على تجربة تغيير سعر الصرف ينبغي أن يكون اقتصاديا لا شعبويا، وموضوعيا لا انفعاليا، فالفيصل الحقيقي ليس ما يقال في الشارع، وإنما ما يحدث في السوق.. (سعر الدولار، مستوى الأسعار، القوة الشرائية، الإنتاج، الاستثمار، وقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة).
فالمرحلة الحالية تحتاج إلى هدوء في الخطاب، ودقة في التحليل، ومراقبة حقيقية للأسواق، بعيدا عن التخويف والمبالغة، لأن الاقتصاد لا يحتمل أن تتحول المخاوف إلى سلوكيات ترفع الأسعار أكثر مما تفرضه المتغيرات الفعلية.




