الجمعة - 23 اكتوبر 2026

مشروع صندوق الأمان السيادي للطوارئ والإستقرار المالي..!

منذ أسبوعين
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

الدول لا تُقاس فقط بما تملكه عندما تكون الأسواق مستقرة وأسعار النفط مرتفعة، بل بما تحتفظ به من قدرة على الحركة عندما تنقلب الظروف. ولهذا يحتاج العراق، بوصفه اقتصاداً يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، إلى الإنتقال من فلسفة إدارة الإيرادات إلى فلسفة إدارة المخاطر. المطلوب ليس موازنة جديدة تثقل المواطن، ولا استقطاعاً إضافياً من دخله، وإنما إنشاء [ صندوق أمان سيادي للطوارئ والاستقرار المالي] ،

يكون خط الدفاع الإقتصادي للدولة في السنوات الصعبة، ويمنحها القدرة على حماية الرواتب والخدمات والإنفاق الضروري عندما تتعرض الإيرادات العامة لصدمة مفاجئة. جوهر الفكرة بسيط: عندما تكون الدولة في وضع مالي جيد، لا تنفق كل ما لديها، بل تحوّل جزءاً من قدرتها المالية إلى احتياطي للمستقبل. وعندما تأتي الأزمة، لا تبدأ بالبحث عن القروض أو تحميل المواطن كلفتها،

وإنما تستخدم الاحتياطي الذي بنته في سنوات الإستقرار. ويجب أن يكون تمويل الصندوق من موارد الدولة، قبل أن يكون من جيب المواطن؛ فتخصَّص له نسبة محددة من (الإيرادات النفطية في سنوات الوفرة)، وجزء من الإيرادات التي تتجاوز التقديرات المعتمدة في الموازنة، إضافة إلى نسبة من نمو الإيرادات غير النفطية،

وعوائد إستثمار أصول الصندوق، والفوائض المالية التي تتحقق في السنوات التي تسمح فيها الظروف بذلك. أما فكرة مساهمة الموظف، فيمكن أن تبقى خياراً احتياطياً محدوداً ومدروساً، لا مصدراً رئيسياً لتمويل الصندوق. وإذا أثبتت الدراسات الاكتوارية (تحليل علمي ورياضي وإحصائي يهدف إلى قياس المخاطر المالية وتقييم الالتزامات طويلة الأجل) والمالية ، إمكانية تخصيص جزء ضئيل من بعض الاستقطاعات القائمة من دون المساس بحقوق الموظف أو المتقاعد، فيمكن بحث ذلك لاحقاً.

لكن المبدأ يجب أن يكون واضحاً: لا يُطلب من المواطن أن يموّل صندوق حماية الدولة، بينما تمتلك الدولة نفسها مصادر تمويل سيادية أكبر. وهنا يجب وضع قاعدة مالية لا تخضع للمزاج السياسي: الوفرة لا تعني زيادة الإنفاق تلقائياً، كما أن الأزمة لا تعني تحميل المواطن كلفتها تلقائياً.

الصندوق المقترح ينبغي أن يكون مستقلاً محاسبياً عن الموازنة العامة، وله قانون خاص، وحسابات منشورة، ومجلس إدارة متخصص، ورقابة مالية وبرلمانية ، وقواعد صارمة تمنع إستخدامه لتمويل النفقات الاعتيادية أو العجز الناتج عن سوء الإدارة. ويمكن تقسيم موارده إلى ثلاثة مستويات:

احتياطي سيولة سريع للأزمات العاجلة، واحتياطي إستقرار لمواجهة الإنخفاض الحاد في أسعار النفط أو الإيرادات، ومحفظة استثمارية طويلة الأجل تنمو بمرور الوقت ولا تُستخدم إلا في الحالات التي يحددها القانون.

أما السحب من الصندوق، فلا ينبغي أن يكون قراراً أحادياً، بل يرتبط بمؤشرات إقتصادية موضوعية، مثل إنخفاض الإيرادات النفطية إلى مستويات محددة، أو وقوع أزمة إقتصادية واسعة، أو كارثة وطنية، مع إلزام الحكومة بإعلان سبب السحب وحجمه وأوجه إنفاقه ومدة إستخدامه. بهذا الشكل يصبح الصندوق أكثر من حساب مالي؛ يصبح أداة لإدارة المخاطر السيادية.

والهدف ليس جمع المال لمجرد جمعه، بل منح الدولة مساحة زمنية تستطيع خلالها حماية المجتمع ، واتخاذ القرارات بعيداً عن ردود الفعل الاضطرارية. فالاحتياطي المالي لا يلغي الأزمة، لكنه يمنع الأزمة من التحول سريعاً إلى أزمة معيشية.

ومن هنا يجب أن يترافق إنشاء الصندوق مع سياسة وطنية لتنويع الإقتصاد، وتنمية الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والقطاع الخاص، وتوسيع الإيرادات غير النفطية، وإصلاح الشركات العامة، وتحسين إدارة المنافذ والجمارك والضرائب.

إذًا الخطوة المطلوبة اليوم ليست تشكيل لجنة جديدة تنتهي أعمالها بتقرير، بل إعداد مشروع وطني قابل للتنفيذ.

أدعو وزارة المالية ووزارة التخطيط والبنك المركزي العراقي، بالتنسيق مع الجهات الرقابية والإقتصادية المختصة، إلى إعداد دراسة مالية واقتصادية متكاملة تحدد مصادر تمويل الصندوق، وحجم الاحتياطي المستهدف، وسياسة الإستثمار، وشروط السحب، وأطر الحوكمة والرقابة، ثم تحويل النتائج إلى مشروع قانون يُعرض على مجلس النواب للنقاش والإقرار.

وليكن التمويل في مرحلته الأولى قائماً بصورة أساسية على الوفورات النفطية والإيرادات السيادية وعوائد الإستثمار، بحيث لا يتحول الصندوق إلى عبء جديد على المواطن.

والهدف أن يبني العراق، بصورة تدريجية، احتياطياً مالياً قادراً على توفير مساحة آمنة ، لمواجهة صدمة تمتد “لعامين أو ثلاثة” ، دون اللجوء إلى إجراءات تمس دخل المواطن أو الخدمات الأساسية.

فلنبدأ ببناء المال الذي سيحمي العراق غداً، من موارد العراق اليوم. فلا ينبغي أن ننتظر الأزمة كي نكتشف حاجتنا إلى الاحتياطي، ولا أن نحمل المواطن كلفة غياب التخطيط. المطلوب قرار وطني واضح: يؤسس الصندوق، ويمول من قوة الدولة ، لا من ضعف المواطن، يراقب بشفافية، ويترك ليتراكم حتى يصبح جداراً مالياً يقف بين الأزمة والمواطن. هذه ليست مهمة حكومة بعينها ولا وزارة بعينها، بل إستثمار في استمرارية الدولة العراقية ، وقدرتها على حماية مجتمعها عندما تتغير الظروف.