أوقفوا تنفيذ قرار تخفيض الدينار حتى يناقشه الشعب..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

ليست القضية اليوم مجرد خلاف اقتصادي حول ما إذا كان سعر الدولار ينبغي أن يكون 1320 دينارًا أو 1520 دينارًا. القضية أخطر من الرقم نفسه، لأنها تتعلق بالطريقة التي تُدار بها الدولة، وبالسؤال عمن يملك أن يتخذ قرارًا يمس القيمة الفعلية لأموال ملايين العراقيين، وبمقدار ما يستحقه المواطن من احترام حين تقرر حكومته سياسة اقتصادية ستدخل مباشرة إلى راتبه وسوقه وغذائه ودوائه ومدخراته ومستوى معيشته.
لقد اتخذ مجلس الوزراء في السادس من تشرين الأول 2026 قرارًا بتعديل سعر صرف الدينار، محددًا سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، وبيعه للمصارف بـ1510 دنانير، ووصوله إلى المستفيد النهائي بـ1520 دينارًا، ثم دخل القرار حيز التنفيذ ابتداءً من صباح اليوم التالي. والمعلومات المنشورة عن القرار تقول إنه جاء بناءً على عرض طارئ قدمه وزير المالية ومحافظ البنك المركزي أثناء اجتماع مجلس الوزراء.
وهنا أتوقف.
قرار بهذه الخطورة، وبهذه السعة الاجتماعية والاقتصادية، وبهذه القدرة على إعادة توزيع الدخل والثروة داخل المجتمع، يُعرض عرضًا طارئًا في اجتماع لمجلس الوزراء ثم ينتقل في اليوم التالي مباشرة إلى حياة الناس؟
لماذا كل هذه العجلة؟
أين النقاش الوطني الذي سبق القرار؟ أين الدراسات الاقتصادية المنشورة التي تشرح للرأي العام ضرورته وبدائله وكلفته؟ أين تقديرات أثره في التضخم؟ أين الحساب الدقيق لأثره في القوة الشرائية؟ أين الإجراءات التعويضية التي تحمي الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخول المحدودة؟ وأين مجلس النواب من قرار يتعلق بواحد من أخطر عناصر السياسة النقدية والمالية في الدولة؟
إنني لا أقول إن الدستور يشترط بالضرورة صدور قانون من مجلس النواب في كل مرة يتغير فيها سعر الصرف؛ فهذا ادعاء يحتاج إلى نص دستوري أو قانوني صريح. لكنني أقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: امتلاك السلطة القانونية لاتخاذ القرار لا يلغي المسؤولية الديمقراطية عن كيفية اتخاذه.
فالدستور العراقي لم يجعل البنك المركزي جزيرة منفصلة عن الدولة والمجتمع. المادة 103 منه تنص على أن البنك المركزي العراقي هيئة مستقلة ماليًا وإداريًا، لكنها تنص في الوقت نفسه على أنه مسؤول أمام مجلس النواب. كما أن المادة 61 تجعل الرقابة على أداء السلطة التنفيذية من صميم اختصاص مجلس النواب، وتتيح لخمسة وعشرين نائبًا طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة وأداء مجلس الوزراء أو إحدى الوزارات.
بل إن النظام الداخلي لمجلس النواب يذهب إلى ما هو أكثر تحديدًا، إذ يجعل من اختصاص اللجنة المالية النيابية دراسة ومراجعة السياسات الخاصة بالمصارف والمؤسسات المالية والنقدية، ومراقبة السياسة المالية، ومتابعة السياسة النقدية والرقابة على أداء البنك المركزي.
فماذا تعني هذه الرقابة إذا كان واحد من أكبر القرارات النقدية التي تمس حياة العراقيين يمكن أن يُتخذ ويبدأ تنفيذه خلال ساعات، ثم يأتي النقاش البرلماني بعد أن يصبح القرار أمرًا واقعًا؟
إن الرقابة التي تأتي بعد وقوع الأثر ليست هي الصورة الوحيدة الممكنة للرقابة الديمقراطية. وفي القرارات الكبرى التي تمس المجتمع كله، تصبح الشفافية المسبقة والنقاش العام جزءًا من جودة القرار نفسه، حتى عندما لا يكون التصويت البرلماني المسبق شرطًا قانونيًا لنفاذه.
والأغرب أن اللجنة المالية النيابية كانت قد استضافت محافظ البنك المركزي في 23 آب 2026، وناقشت معه تحديدًا السياسة النقدية، وتمويل العجز، والتضخم، والاحتياطي النقدي، وأسعار الصرف، وآليات تجاوز الأزمة المالية. فإذا كان تغيير سعر الصرف بهذه النسبة قد أصبح بعد أسابيع قليلة خيارًا ضروريًا، فمن حق مجلس النواب ومن حق العراقيين معرفة: هل طُرح هذا الاحتمال آنذاك؟ وهل قُدمت دراساته؟ وما البدائل التي نوقشت قبل الوصول إليه؟
القضية ليست شكلية. فحين يرتفع السعر الرسمي للمستفيد النهائي من 1320 إلى 1520 دينارًا للدولار، فإننا لا نتحدث عن تعديل في شاشة مصرفية، وإنما عن تخفيض في قيمة الدينار تجاه الدولار. ومليون دينار كانت تعادل حسابيًا نحو 758 دولارًا على السعر السابق، وأصبحت تعادل نحو 658 دولارًا على السعر الجديد. وهذا لا يعني أن أسعار جميع السلع سترتفع بالنسبة نفسها، لكنه يعني أن القوة الخارجية للدخل المقوم بالدينار قد انخفضت، وأن المواطن أصبح أكثر تعرضًا لارتفاع أسعار السلع والخدمات التي تعتمد مباشرة أو غير مباشرة على الدولار.
وهذا هو السبب الذي يجعلني أرفض التعامل مع المسألة باعتبارها شأنًا تقنيًا يخص عددًا محدودًا من المسؤولين والخبراء.
راتب الموظف ليس شأنًا تقنيًا.
قيمة معاش المتقاعد ليست شأنًا تقنيًا.
قدرة الأسرة العراقية على شراء الغذاء والدواء ليست شأنًا تقنيًا.
وحين يطال القرار ملايين المواطنين، فإن هؤلاء ليسوا مجرد متلقين لنتائج السياسة الاقتصادية، وإنما هم أصحاب المصلحة الأولى فيها، ومن حقهم أن يعرفوا لماذا اتُّخذ القرار، وما البدائل التي كانت أمام الدولة، ولماذا رُفضت تلك البدائل، ومن سيربح من القرار ومن سيتحمل كلفته.
ولهذا فإنني أطالب بتعليق تنفيذ القرار وفتحه فورًا للنقاش البرلماني والعام. ليس لأن البرلمان يجب أن يحل محل البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، وليس لأن الصحف والجامعات تستطيع أن تدير سعر الصرف، وإنما لأن الديمقراطية لا تعني فقط توزيع الاختصاصات بين المؤسسات؛ إنها تعني أيضًا خضوع القرارات الكبرى للشفافية والمساءلة والنقاش عندما تمس حياة المجتمع كله.
ليذهب وزير المالية ومحافظ البنك المركزي إلى مجلس النواب، وليعرضا أمام الشعب، من خلال ممثليه، الأرقام التي استند إليها القرار. وليشرحا مقدار العجز الذي يراد علاجه، والأثر المتوقع في الأسعار والتضخم، وحجم الزيادة التي ستحصل عليها الخزينة بالدينار، والأثر المتوقع في الرواتب الحقيقية، والبدائل التي درست، والأسباب التي أدت إلى رفضها.
ثم لتفتح الجامعات العراقية وكليات الاقتصاد ومراكز الدراسات والنقابات والاتحادات الاقتصادية والصحف ووسائل الإعلام أبوابها للنقاش. وليتكلم الاقتصاديون المؤيدون والمعارضون. وليسمع العراقيون الحجة والحجة المقابلة.
فإذا ثبت بعد ذلك أن تخفيض قيمة الدينار ضرورة لا يمكن تجنبها، ستكون الحكومة قد قدمت حجتها أمام المجتمع وتحملت مسؤوليتها عنها. وإذا ظهر أن هناك بدائل أقل كلفة على المواطنين، يكون النقاش العام قد منع الدولة من تحميل الناس عبئًا كان يمكن تجنبه.
هذه هي الدولة الحديثة التي أفهمها: ليست الدولة التي تتردد في اتخاذ القرارات الصعبة، وإنما الدولة التي تمتلك من الثقة بمؤسساتها وبشعبها ما يجعلها قادرة على شرح القرارات الصعبة قبل فرض نتائجها على الناس.
أما أن يعرف المواطن صباحًا أن قيمة عملته قد انخفضت لأن اجتماعًا حكوميًا اتخذ قرارًا في اليوم السابق، وأن عليه منذ تلك اللحظة أن يعيد حساب دخله ومدخراته ومصروف أسرته، فهذه طريقة في إدارة القرارات الكبرى تستحق مراجعة جادة، بصرف النظر عن الموقف الاقتصادي من السعر الجديد نفسه.
المطلوب إذن ليس إسقاط استقلال البنك المركزي، ولا نقل السياسة النقدية إلى الشارع، وإنما إخضاع قرار بهذه الضخامة إلى الضوء.
لا شيء تخشاه السياسة الاقتصادية الرشيدة من النقاش. وإذا كانت الحجج التي استند إليها القرار قوية، فإن النقاش سيقويها. وإذا كانت ضعيفة، فإن المجتمع يستحق أن يعرف ذلك قبل أن يدفع الثمن.
ولهذا أقول بوضوح:
أوقفوا التنفيذ مؤقتًا. اعرضوا الأرقام. افتحوا أبواب مجلس النواب. استمعوا إلى الاقتصاديين. دعوا الصحافة والرأي العام يناقشان. ثم اتخذوا القرار على مرأى من العراقيين.
فالعملة التي خُفضت قيمتها ليست ملكًا لمجلس الوزراء، ولا لوزارة المالية، ولا للبنك المركزي.
إنها أموال الناس، ورواتب الناس، ومدخرات الناس، وحياتهم اليومية.
ومن سيدفع ثمن القرار، يستحق على الأقل أن يسمع أسبابه ويناقشها قبل أن يُطلب منه دفع الثمن.




