الخميس - 22 اكتوبر 2026

أزمة سعر الصرف في العراق: بين استقلالية البنك المركزي ومسؤولية البرلمان..!

منذ أسبوعين
الخميس - 22 اكتوبر 2026

✍️ قاسم العسكري ||

 

 

 

في ظل الارتفاع المتسارع لسعر الدولار مقابل الدينار العراقي، الذي قفز من 1320 ديناراً إلى ما يقارب 1700 دينار لكل مئة دولار، يجد المواطن العراقي نفسه أمام واقع معيشي صعب يضغط على كل مفاصل حياته اليومية. هذا الارتفاع لم يكن وليد صدفة، بل جاء نتيجة قرارات رسمية برفع سعر الصرف الرسمي إلى 1520 ديناراً، لتشتعل بعدها السوق الموازية وتتجاوز كل التوقعات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما دور البرلمان العراقي في هذه الأزمة، وما الحلول الحقيقية التي يمكن أن يقدمها؟

الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن البرلمان العراقي، بتركيبته الحالية، لا يملك قراراً مستقلاً في هذا الملف. فجميع النواب ينتمون إلى كتل سياسية لها رؤساؤها، وهؤلاء الرؤساء هم من يحددون المواقف الكبرى، سواء كانوا في قوى الدولة أو الإطار التنسيقي. والقرارات المصيرية المتعلقة بسعر الصرف أو السياسة النقدية لا يمكن أن تمر دون توافق سياسي مسبق بين هذه القوى، ومعها رئيس الحكومة. لذلك، فإن ما نشهده من استعراضات نيابية في البرلمان، من استجوابات وبيانات وتصريحات، يبقى في كثير من الأحيان بعيداً عن المهنية والجدوى، لأنه لا يمس جوهر المشكلة ولا يقدم حلولاً قابلة للتنفيذ.

النقطة القانونية الجوهرية التي يجب أن يفهمها الجميع هي أن البرلمان لا يستطيع إلغاء قرار البنك المركزي مباشرة. فقانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 يمنحه استقلالية تامة في صياغة السياسة النقدية، بما فيها تحديد سعر الصرف. وهذه الاستقلالية ليست تفصيلاً شكلياً، بل هي ضمانة لمنع تسييس القرار النقدي. لكن هذا لا يعني أن البرلمان بلا دور. فالبرلمان يملك أدوات رقابية حقيقية، منها استضافة محافظ البنك المركزي ووزير المالية واستجوابهما، ومنها أيضاً مناقشة بند سعر الصرف داخل قانون الموازنة العامة. لكنه لا يستطيع فرض سعر معين على البنك المركزي بقوة القانون، لأن ذلك سيكون مخالفاً للدستور والقانون.

الأرقام التي نراها اليوم تؤكد أن رفع السعر الرسمي لم يغلق الفجوة مع السوق الموازية، بل زادها اتساعاً. فالسوق الموازية تجاوبت بسرعة مع القرار، وتجاوزت الأسعار الرسمية، لتسجل أرقاماً وصلت إلى 1700 دينار، قبل أن تهدأ قليلاً عند حدود 168 إلى 170 ألف دينار لكل مئة دولار. هذا التذبذب الحاد يعكس حالة من عدم الثقة والارتباك، ويفتح الباب واسعاً أمام المضاربين لتحقيق أرباح طائلة على حساب المواطن. والحقيقة أن أي قرار برفع سعر الصرف، دون معالجة الأسباب الجذرية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية للعراقيين.

الحلول الحقيقية التي يجب أن يتبناها البرلمان العراقي بعيداً عن الاستعراض السياسي تتمثل في عدة مسارات عملية. المسار الأول هو تعظيم الإيرادات غير النفطية، من خلال مراجعة عقود تراخيص الهاتف النقال، وعقود إدارة الحقول النفطية، وإيرادات المنافذ الحدودية، والجمارك، والضرائب. فهذه القطاعات قادرة على توفير مليارات الدولارات سنوياً إذا أحسن إدارتها ومحاسبة المقصرين فيها. والمسار الثاني هو خفض الإنفاق الحكومي غير الضروري، وتقليص النفقات التشغيلية والهدر في المؤسسات الحكومية، وتوجيه هذه الأموال نحو الاستثمار المنتج. والمسار الثالث هو دعم الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، لأن العراق يستورد اليوم بمليارات الدولارات سنوياً، ولو تم تفعيل القطاعات الإنتاجية المحلية لتقلص الطلب على الدولار للاستيراد، وخفض الضغط على العملة الصعبة.

وهناك مسار رابع لا يقل أهمية، وهو ضبط السوق الموازية ومحاسبة المضاربين الذين يستغلون أي قرار أو تصريح لتحقيق مكاسب غير مشروعة. فهؤلاء ليسوا تجاراً حقيقيين، بل هم حلقة ضاغطة على الاقتصاد الوطني، ويجب أن تكون هناك إجراءات قانونية رادعة بحقهم. والمسار الخامس هو إعادة النظر في هيكلية النظام المالي والمصرفي، وتفعيل دور المصارف الحكومية في تلبية حاجة المواطنين والتجار من الدولار بالسعر الرسمي، بدلاً من ترك السوق الموازية تتحكم في مصير الناس.