الجمعة - 02 اكتوبر 2026

ما وراء الستار: إعادة هندسة العراق من “ساحة تصفية” إلى “صندوق بريد سيادي”..!

منذ ساعتين
الجمعة - 02 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

في عالم السياسة العليا والستراتيجيات التي تُطبخ على نار هادئة خلف الأبواب المغلقة، لا توجد شيء إسمه “صدفة”، ولا مكان للعواطف أو الشعارات القومية والوطنية ، التي تُستهلك في نشرات الأخبار. ما يراه المواطن العادي على شاشات التلفاز، وما يحلله الهواة على منصات التواصل الإجتماعي، ليس سوى “الدخان” الناجم عن حركة محركات ضخمة وضعت خططها قبل سنوات.

إن التزامن الهندسي بين خروج القوات الأمريكية، والانسحاب التركي الوشيك من الشمال كما صرحت الحكومة العراقية ، والطروحات الستراتيجية لدمج الفصائل المقاومة وقوات البيشمركة في جسد الدولة، لا يمثل تراجعاً لمحور أو انتصاراً لآخر، بل هو إعلان عن بدء تشغيل “النسخة الثانية لشرق أوسط ما بعد النفط”. وهنا علينا أن نعرف كيف يرى صُنّاع القرار الحقيقيون المشهد من الغرف المظلمة كما توصف ؟…

أولاً: خروج الكبار.. الإنتقال من “الاحتلال المباشر” إلى “التحكم عبر الريموت كونترول”

تخطئ العقول البسيطة حين تظن أن الولايات المتحدة، أو القوى الإقليمية تنسحب لأنها “هُزمت” بالمعنى الكلاسيكي الكلمة. في العُرف الستراتيجي، يمثل التواجد العسكري المباشر عبئاً مالياً وسياسياً باهظ الثمن. خلف الكواليس، جرى التحول إلى “الأمن السيبراني. والإقتصادي”. تدرك واشنطن أن السيطرة على النظام المالي العراقي (منصة الدولار والبنك الفيدرالي)، والتحكم في إمدادات الطاقة، وتكنولوجيا التوجيه، يمنحها سلطة تفوق مئة قاعدة عسكرية. الإنسحاب هو عملية “إخلاء طرف” تكتيكية لرفع الحرج عن الحلفاء المحليين هذا ما يذهب إليه البعض ، وتحويل العراق من “عبء أمني مباشر” إلى “حارس لمنطقة النفوذ” بتمويل ذاتي من ميزانية بغداد.

ثانياً: التراجع التركي .. مقايضة السلاح بـ “شريان الحياة” (طريق التنمية)، إن الحديث عن إنسحاب العسكري تركي من شمال العراق ، ليس تنازلاً عن حلم أنقرة الجيوسياسي ، بل هو إنتقال من “الهيمنة العسكرية المباشرة المنهكة لها ” ، إلى “الهيمنة الإقتصادية الناعمة والمستدامة”…في الغرف المظلمة، جرت مقايضة كبرى: أنقرة تُفكك قواعدها العسكرية وتسحب جنودها “مرغمة” ، مقابل أن تتحول الدولة العراقية (عبر أجهزتها الإتحادية) إلى “شرطي محلي” يحمي حدود تركيا الجنوبية ويقمع حزب العمال الكردستاني (PKK).

والأهم من ذلك، هو ربط مصير تركيا الستراتيجي بـ “طريق التنمية”؛ هذا المشروع ليس مجرد سكة حديد وطريق بري، بل هو أنبوب أوكسجين للاقتصاد التركي، يجعل من بغداد شريكاً لا يمكن الإستغناء عنه، ويحظر عليها مستقبلاً إتخاذ أي قرار سياسي يُضر بأنقرة. إنه استعمار بالإعتماد المتبادل.

ثالثاً: دمج البيشمركة والفصائل المقاومة … تفكيك مراكز القوى وإنهاء “الدويلات داخل الدولة” كما يعتقدون ، المفاجأة الكبرى التي تصدم الكثير هي: الأطروحات الدولية (مثل رؤى توم باراك ومراكز الفكر الستراتيجي) التي تدفع باتجاه دمج قوات البيشمركة والفصائل الأخرى في الجيش العراقي. في الظاهر، يبدو الأمر دعماً لسيادة بغداد؛ أما في العمق، فإنها عملية “تأميم واحتواء للسلاح ، التي لا تسيطر عليه واشنطن وأنقرة”.

القوى الدولية تدرك أن وجود جيوش موازية (عقائدية أو قومية)، يجعل العراق قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، مما يهدد تدفقات الطاقة العالمية. الدمج يعني تحويل هذه القوات من “حركات أيديولوجية ذات قرار مستقل” إلى “موظفين حكوميين” ، يخضعون لقانون الخدمة العسكرية وضوابط العقوبات الحزبية. إنه تجريد ناعم من السلاح عبر مأسسته، حيث يصبح قرار السلم والحرب محصوراً في يد طبقة سياسية، يتم التحكم بخيوطها دولياً عبر المال والشرعية الدولية.

رابعاً: العراق كـ “صندوق بريد سيادي” ومنطقة عازلة… إن الهدف النهائي لهذه الهندسة الستراتيجية هو تحويل العراق إلى “دولة مصدّة”. العالم لا يريد للعراق أن يكون قوياً لدرجة تهديد أمن الكيان الصهيوني ، ولا ضعيفاً لدرجة أن يصبح مرتعاً للإرهاب العابر للحدود (كما في 2014). المطلوب بدقة هو “عراق مستقر وظيفياً”…

جيش موحد عقيدته حماية الحدود وحقول النفط والمصالح المشتركة!، و إقتصاد ريعي مرتبط بالنظام المصرفي العالمي، و حكومة مركزية قوية بما يكفي لضبط الداخل، ومرنة بما يكفي لتلقي الرسائل الإقليمية والدولية وتمريرها دون إحداث أزمات. اليوم ونحن نرى ما تشهده الشاشات من صراعات سياسية ، وتراشق إعلامي ليس سوى مسرحية “الدمى المتحركة” لإشغال الرأي العام، بينما العقول الحاكمة في التخطيط الستراتيجي قد فرغت بالفعل من رسم خارطة العراق الجديد.

السيادة القادمة ليست سيادة التحرر المطلق، بل هي “سيادة الوظيفة المرسومة”؛ حيث تنتهي صلاحية السلاح الفئوي، وتذوب الخصوصيات العسكرية لإقليم كردستان أو الفصائل المقاومة ، ليصبح الجميع تروساً في آلة واحدة تُدار بوقود النفط العراقي ،والجغرافية العراقية ، وضوابط الخزانة الأمريكية، ومصالح الجوار الإقليمي. هذه هي الحقيقة العارية التي تُخفيها الكاميرات، ويخاف المحللون التقليديون النطق بها. بلد محمي دولياً مقابل حكومة مركزية تحمي المصالح الدول الكبرى.

كندي الزهيري…