حين يُجمل الشارع وتُهمل ذاكرته..!
أحمد نعيم الطائي ||

يسعدنا أن نرى بغداد تستعيد شيئاً من ألقها وجمالها ورونقها، وأن تمتد إليها يد الإعمار بعد سنوات طويلة من الإهمال. فكل مشروع يعيد للعاصمة شيئاً من عافيتها هو موضع ترحيب، خصوصاً عندما يتعلق بشوارعها وأحيائها التي تختزن ذاكرة العراق وتاريخه.
لكن الفرح يتحول إلى خيبة أمل وألم حين يصبح الإعمار مجرد تجميل للواجهات، بينما تُترك الذاكرة خلفها تتداعى وتموت.
وهنا تكمن المفارقة في مشروع إعمار مقطع من شارع الرشيد، شارع لا يشبه سواه، لأنه ليس مجرد طريق في قلب بغداد، بل سجل مفتوح لتاريخها السياسي والثقافي والفني والاجتماعي.
ما جرى لا يمكن النظر إليه بوصفه معالجة شاملة لإرث الشارع، بل يبدو أقرب إلى إعادة تأهيل لواجهته، فيما بقيت خلفها مشاهد الخراب والإهمال شاهدة على غياب رؤية طويلة الأمد لإحياء هذا الجزء من بغداد.
فماذا يعني أن تُجدَّد الواجهة، بينما يُترك “مقهى العجمي” أحد المقاهي البغدادية القديمة المرتبطة بذاكرة الأدباء والشعراء ورواد الثقافة، دون إعادة تأهيل تليق بمكانته.
وماذا يعني أن يبقى “مسرح وملهى الهلال” المرتبط بذاكرة الفن البغدادي، متهالكاً، وهو المكان الذي شهد أول غناء للسيدة أم كلثوم في بغداد عام 1932، إلى جانب البناية المجاورة له.
والأمر لا يتوقف هنا، فخلف الواجهات الجديدة، وفي مناطق جديد حسن باشا والحيدرخانة والبارودية، تقبع معالم تراثية نفيسة مهددة بالاندثار والتغييب. وهنا تبدو إعادة تأهيل الواجهة أشبه بوضع غلاف جديد على كتاب ثمين تُترك صفحاته الداخلية للتلف.
اما تفاصيل التبليط فهي الأخرى تثير أسئلة مشروعة مثيرة للاستغراب حول طبيعة التخطيط والتنفيذ ، فالجزء الأوسع المحاذي لسكة القطار أُكسِي بكسر حجر مدبب، وهو غير ملائم لحركة المشاة والعربات، فيما جرى تبليط أجزاء محدودة من جانبي الشارع بالكاشي، لا يتجاوز عرضها نحو متر ونصف، فتحولت عملياً إلى ممر للعربات، في مشهد يزاحم فيه أصحابها المارة ويزيد من فوضى الحركة.
المفارقة الأكثر سخرية في مشروع شارع الرشيد التي ما زالت على أحد مبانيه يافطة تقول: “ممنوع البول”، قد تبدو العبارة تفصيلاً صغيراً، لكنها في الحقيقة تختصر شيئاً أكبر: كيف يمكن أن يُعلن افتتاح مشروع عمراني من دون أن تلتقط عين القائمين عليه مثل هذه التفاصيل التي تمس صورة المكان وهيبته.
بغداد ليست ساحة للدعاية الانتخابية، فكل حجر فيه يحمل حكاية، وكل مبنى قديم فيه صفحة من تاريخ العراق، وكل مقهى ومسرح ودكان يمثل جزءاً من روح بغداد.
أيها الساسة الذين لم تطأ اقدامكم هذا الشارع ايام زهوه وجمال رواده ، لا نريد منكم عمراناً انتخابياً ينتهي بانتهاء موسم الانتخابات، بل نريد عمراناً يبقى بعد رحيلكم ، ويظل شاهداً على مرحلة نجحت فيها الدولة في أن تعيد إلى بغداد شيئاً من مجدها، لا أن تترك وراءها واجهات جديدة تخفي خلفها خراباً وتشويهاً .
بغداد تستحق أكثر من تجميل الواجهة… إنها تستحق أن تستعيد ذاكرتها وألقها وجمالها المندثر.




