الجمعة - 23 اكتوبر 2026

من الزقاق الى الشاشة.. الطفولة العراقية بين الذاكرة والتكنولوجيا..!

منذ 3 أسابيع
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

مروج العبيدي ||
أكتوبر 1, 2026

 

 

 

كان الزقاقُ ذاتَ يومٍ وطنَ الطفولة الأول…و مساحة صغيرة تتسع لضحكات كثيرة، وملعبا لا تحدّه جدران، ومدرسة لا تُعلق على أبوابها لافتة.
هناك … بين عتبات البيوت وظلال الجدران وافياء الشناشيل كانت الطفولة العراقية تنسَج على مهل من خيوط المحيبس والغميضة والدعابل والطائرات الورقية ، ومن نداءات الصغار التي كانت تتعالى في المساء كأنها موسيقى المكان.
لم يكن الطفل آنذاك يملك شاشةً تسافر به إلى العالم.. لكنه كان يملك عالمًا كاملًا في زقاقه الصغير.
كان يركض… فيتعلّم جسده معنى الحركة ويلعب مع الآخرين… فيتعلم المشاركة والاختلاف…. ويخسر في اللعبة فيتعلم أن الخسارة ليست نهاية العالم….ويعود إلى البيت متعبًا محملا بالغبار والضحك والحكايات…شيئًا فشيئًا انتقلت الطفولة من عتبة البيت إلى عتبة الشاشة….وأصبحت اللعبة التي كانت تحتاج إلى أطفال كثيرين، تكتفي أحيانًا بطفل واحد وهاتف صغير.
صار الطفل يستطيع أن يعبر القارات بلمسة.. ويرى ما لم تره أجيال قبله، ويتعلم في دقائق ما كان يحتاج إلى أيام للبحث عنه.
وهنا لا ينبغي أن نقف في مواجهة التكنولوجيا وكأنها خصمٌ للطفولة فشاشة التكنولوجيا ليست عدوا في ذاتها، وإنما الخوف من أن تصبح الشاشة هي الذاكرة الوحيدة .. وأن يعرف الطفل أسماء الألعاب العالمية، ولا يعرف لعبة واحدة كانت جدته تضحك وهي ترويها…أن يعرف أصوات الشخصيات الافتراضية، ولا يعرف صوت المسحراتي في ذاكرة أبيه…أن يتقن الوصول إلى أي مكان في العالم، ولا يعرف الحكاية التي وُلدت في زقاق بيته.
إن التراث ليس صندوقًا قديمًا نضعه في متحف ثم نغلق عليه الباب….. بل هو كائن حي ، إذا لم يصل إلى الأجيال الجديدة توقف قلبه عن النبضات.
ولهذا لا تكمن المهمة في إعادة الطفل إلى الزقاق، ولا في انتزاع الشاشة من يده بل في أن نجعل الزقاق قادرًا على الوصول إلى الشاشة دون أن تغلق عنه نافذة الذاكرة.
ويبقى السؤال الأهم !!!
هل نستطيع أن نصنع لطفلنا مستقبلًا رقميًا، دون أن نترك ذاكرته التراثية خلف الشاشة؟