هربنا من الذئب… فدخلنا وكره..!
عباس سرحان ||

حظر العراق الطيران الإيراني امتثالاً لقرار وزارة الخزانة الأمريكية، فتوقفت في مطار النجف وحده ثماني عشرة رحلة يومياً. خطوةٌ لا تُقرأ إلا اصطفافاً مع أمريكا، لكنه اصطفاف العاجز لا المقتنع. فبلدٌ تودَع عائدات نفطه في البنك الفيدرالي الأمريكي، ويتسلّم دولاراته بإذنٍ من واشنطن، لا يملك ورقةً يساوم بها.
وحتى في الامتثال لم يُحسن التدبير، فقد جاء الإيقاف متخبطاً ودون تنسيق مسبق مع الجانب الإيراني، فتكدّست العائلات في مطار النجف، وعلق عراقيون في مطار مشهد لا يجدون طريقاً إلى بلادهم، بين مريضٍ وطالبٍ وزائر. ثم عادت الحكومة بعد تنفيذ القرار الأمريكي تفاوض واشنطن على استثناءات إنسانية كان ينبغي أن تطلبها قبل التنفيذ.
ولا يُلام الضعيف على ضعفه، لكن هذا الامتثال لن يشتري له أماناً من غدر واشنطن وحلفائها، فسجلّها يقول إنها لا تحمي حليفاً لذاته، بل تستعمله ثم تتركه لمصيره. هكذا فعلت بالشاه حين اهتز عرشه، وبصدام بعد أن كان صديقها، وبأكراد سوريا عام ٢٠١٩، وبحلفائها في كابل عام ٢٠٢١.
وتجربتنا معها أبلغ، ففي صيف ٢٠١٤ وقفت تتفرج و«داعش» على أطراف بغداد، بينما وصل السلاح من طهران في أيام. ثم نفّذت عام ٢٠٢٠، والعراق شريكها المعلن، عملية اغتيال على أرض مطار بغداد ارتقى فيها أبو مهدي المهندس ورفاقه شهداء، دون أن تستأذن الدولة التي تزعم صداقتها.
فإذا لم تحفظ واشنطن حرمة أرض العراق وهو شريكها، فكيف تحفظه من حلفائها وهو تابعها؟ وحوله أطماع تبدأ من إرهابٍ يتربص في الصحراء السورية، وتمتد إلى دولٍ تطمع في مائه وأرضه ونفطه، وإلى مالٍ يشتري المرتزقة، وكيانٍ يرى في كل قوة عراقية خطراً يهدده.
وبعض هؤلاء حلفاء لواشنطن، تقصف طائراتهم الشمال العراقي منذ سنوات دون كلمة احتجاج من «الصديق الأمريكي». ولا شك أن هذه القوى أحجمت عن مهاجمة العراق في السنين الاخيرة الماضية لأنها علمت أن خلفه جاراً لن يقف متفرجاً، وقد جرّبت ذلك في ٢٠١٤. وهي اليوم تترقب، فإن تيقنت أن إيران رفعت يدها عن العراق انقضّت عليه آمنةً، ولن تردعها واشنطن، بل قد تقف معها.
وحينها لن يجد العراق باباً يطرقه، فمن أغلق بابه في وجه جاره يوم ضيقه لا يطرق بابه يوم ضيقه هو. وإن استنجد بإيران يومئذٍ ستسأله أين كنتم حين حوصرنا؟ ولن يُسمع منه أن الخزانة الأمريكية أجبرته.
وقديماً قيل إن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية. والعراق يوشك أن يكون تلك الشاة، ابتعد عن جيرته ظناً أن الراعي الأمريكي سيحرسه، ونسي أن هذا الراعي لم يحرس إلا مصلحته. ومن يراهن على واشنطن وحدها، يراهن على سراب.




