رحيل قائد بحجم أمة..!
كيان الأسدي ||
مدير مركز بابالعمود للدراسات السياسية

تمر علينا الذكرى السنوية الثانية لترجل قائد من صهوة فرسه، قائد لا يشبهه أحد، بإجماع الحب عليه، حتى من يبغضه يحترمه، وحتى من يختلف معه لا يستطيع أن يتجاوز حجم حضوره وتأثيره في وجدان الأمة. عروبته أعطته ميزة العربي الأصيل، الذي تأخذ فيه العربية من صبغته الإسلامية، وتتجلى فيه أصالة الانتماء وعمق العقيدة وشموخ الموقف، لذلك كان نموذج القيادة العربية الفريدة التي جمعت بين أصالة الهوية وسمو الرسالة. كان كالقمر، كلما تشبه به أحد احترق، لأنه يعجز عن إدراك وهجه، أو بلوغ المكانة التي صنعها بصدق مواقفه وتضحياته ومسيرته الجهادية.
سماحة الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، قائد الأمة، الذي لا يتعاطى معه كثير من أحرار هذه الأمة وشرفائها على أنه قائد لحزب الله فحسب، بل يرونه قائدا للأمة، وقامة تجاوزت حدود التنظيم والحزب والجغرافيا، لتستقر في وجدان كل من رأى فيه صورة القائد المؤمن بقضيته، المخلص لدينه، الثابت على مواقفه، الذي لا يساوم على المبادئ ولا يتراجع أمام التحديات.
لقد كان سماحته تعبيرا عن الصدق المحض في زمن الكذب والخداع والخيانة، وفي مرحلة غلبت فيها المصالح على المبادئ، وأصبحت فيها المواقف السياسية لدى كثيرين خاضعة لحسابات الربح والخسارة، حتى لو كان ذلك على حساب الدين والإنسانية وكرامة الشعوب. أما هو، فقد اختار أن يتبع دينه وإنسانيته، وأن يقدم التزامه الأخلاقي والعقائدي على حساب مصالحه الشخصية والسياسية، فكان نموذجا للإيثار والغيرة والمواقف الأخلاقية التي لا تتبدل بتبدل الظروف، ولا تتغير بتغير موازين القوى.
لم يكن السيد حسن نصر الله قائدا يبحث عن مكانة يصنعها له الآخرون، بل كان يصنع مكانته بنفسه، من خلال الموقف والتضحية والثبات، ومن خلال قدرته على الجمع بين قوة العقيدة وحكمة القيادة، وبين وضوح الرؤية والقدرة على التعامل مع تعقيدات الواقع. ولذلك لم يكن حضوره محصورا في ساحات المواجهة، بل امتد إلى وجدان الشعوب التي رأت فيه أملا في زمن الانكسار، وصوتا للحق في زمن الصمت، وموقفا صلبا في زمن التراجع.
قائد لا تختصره ذكرى
إن مسيرة سماحة السيد، الذي وصفه قاتله بأنه «محور المحور»، يجب أن تدرس للأجيال، لا أن تكون مجرد ذكرى نحييها كلما أتى تاريخ استشهاده، ثم نمضي وكأننا أدينا واجب الوفاء تجاه هذه القامة العظيمة. إن الوفاء الحقيقي لهذا القائد لا يكون باستذكار اسمه وحده، ولا باستحضار صوره وخطاباته في المناسبات، بل يكون بدراسة تجربته القيادية والجهادية، وفهم رؤيته السياسية والاستراتيجية، واستخلاص الدروس من مسيرته التي امتدت لعقود من الصراع والمواجهة والصبر والتضحية.
لقد أعطانا هذا القائد العظيم كما هائلا من الخطابات والمواقف التي تستحق بجدارة أن تكون نموذجا لحياة المقاوم المجاهد البصير، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تغريه حسابات المصالح عن قول الحق، ولا تدفعه ضغوط الواقع إلى التخلي عن ثوابته. كانت خطاباته مدرسة في الوعي والبصيرة، وفي فهم طبيعة الصراع وأهدافه ومآلاته، وفي القدرة على قراءة الأحداث ضمن سياقاتها الكبرى، بعيدا عن الانفعال اللحظي أو النظرة الضيقة التي تعجز عن إدراك ما وراء الأحداث.
ولم تكن كلماته مجرد عبارات تحفيزية تلقى في لحظات المواجهة، بل كانت تعبيرا عن رؤية متكاملة، وعن عقل قيادي يدرك أن المعركة ليست عسكرية فحسب، وأن المواجهة مع العدو لا تنحصر في حدود الجغرافيا والسلاح، بل هي معركة وعي وإرادة وثقافة وهوية. ومن هنا كان تأثيره في محور المقاومة بعناية ربانية، إذ استطاع أن يحول الكلمة إلى موقف، والموقف إلى وعي، والوعي إلى إرادة لا تنكسر أمام التهديدات والضغوط.
لقد أدرك سماحته أن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة ليس خسارة موقع أو جولة من جولات المواجهة، وإنما خسارة البصيرة، والاستسلام لثقافة الهزيمة، والتخلي عن القدرة على التمييز بين الحق والباطل. ولذلك كان حريصا على أن تبقى الأمة واعية لطبيعة الصراع، وأن لا تنخدع بالشعارات، ولا تستسلم للحرب النفسية، ولا تسمح للعدو بأن يفرض عليها معادلاته السياسية والإعلامية.
السيد الذي صنع جبهات العزة والكرامة
سماحة السيد صنع جبهات العزة والكرامة، بإظهار صورة المجاهد الحقيقي الذي لا يتبع أهواءه، ولا يركن إلى الذين ظلموا، ولا يسكت على ضيم، ولا يساوم على كرامة الأمة وحقوقها. لقد قدم صورة القائد الذي يرى في المقاومة مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية، وليست مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو تسجيل انتصارات عابرة.
كان تأثيره حاضرا في كل جبهات محور المقاومة، لأنه لم يتعامل مع قضية المقاومة باعتبارها شأنا حزبيا أو جغرافيا محدودا، بل باعتبارها قضية أمة، تتصل بكرامة الإنسان وحق الشعوب في التحرر من الهيمنة والاحتلال.
ولذلك تجاوز تأثيره حدود لبنان، وأصبح حضوره في اليمن والعراق وفلسطين وسائر ساحات المقاومة جزءا من الوعي السياسي والجهادي لجماهير واسعة رأت فيه نموذجا للقائد الذي يجمع بين الإيمان والبصيرة والشجاعة.
وفي العراق، كان للسيد حسن نصر الله الدور الأبرز في بناء المقاومة وتعزيز قدراتها، وترك أثرا كبيرا في وعيها، ولا سيما في كيفية التعاطي مع الأحداث ومواجهة الاحتلال. فقد كان الحاضر الأكبر في قلوب المجاهدين، بما جسده من مواقف وثبات وتضحيات، وبما قدمه من دعم وإسناد لمسيرة المقاومة العراقية. وقد تجلى هذا الحضور بوضوح في نبأ استشهاده، حين خرجت الجماهير العراقية تعبيرا عن حزنها العميق وفاجعتها برحيل قائد لم يكن غريبا عن وجدانها، بل كان حاضرا في ذاكرتها ووعيها ومسيرتها الجهادية.
ولعل من أبرز الشواهد على هذا التأثير ما نشاهده في اليمن، حيث كانت للسيد مكانة خاصة في وجدان الشعب اليمني وقيادته ومسيرته القرآنية. فكثيرا ما كان السيد حسين الحوثي، رضوان الله تعالى عليه، يستشهد بخطاباته ومواقفه، فقد كان يرى فيه القيادة الحقيقية الإيمانية التي تستحق أن يقتدى بها، والنموذج الذي يجسد معاني الثبات والتضحية والوعي بطبيعة المواجهة مع أعداء الأمة.
ولم تكن تلك العلاقة مجرد تقاطع في المواقف السياسية، أو توافق في قراءة الأحداث، بل كانت تعبيرا عن وحدة في الروح والهدف والمنطلقات الإيمانية، وعن تقدير عميق لقيمة القيادة التي تقدم للأمة نموذجا عمليا في الصبر والثبات والجهاد.
ولذلك فإن القلوب الوالهة التي نشاهدها في التجمعات اليمنية الكبيرة، وهي تعبر عن عشقها لهذه القامة المجاهدة العالمة، ليست مجرد مشاعر عابرة فرضتها مناسبة استشهاده، بل هي انعكاس لمسيرة طويلة من المواقف التي تركت أثرها في الوعي والوجدان. إنها صورة من صور الوفاء لقائد لم يكن حاضرا في وجدان شعبه وحده، وإنما استطاع أن يحتل مكانة في قلوب شعوب أخرى، وجدت في مواقفه ما يعبر عن آمالها وتطلعاتها وكرامتها.
وهنا تكمن عظمة هذه الشخصية؛ فالقادة الذين تصنعهم المناصب تبقى مكانتهم مرتبطة بمواقعهم، أما القادة الذين تصنعهم المبادئ والتضحيات، فإن حضورهم يتجاوز حدود المكان والزمان، وتبقى كلماتهم ومواقفهم حاضرة حتى بعد رحيلهم.
مدرسة في القيادة والإيمان والتضحية
سماحة السيد أعطانا دروسا في الإعلام والاقتصاد والسياسة والعسكر، وفي الإيمان والصبر والتقوى والتضحية والفداء. لم يكن قائدا ينظر إلى المعركة من زاوية واحدة، أو يتعامل مع التحديات بعقلية منفصلة عن بعضها، بل كان يدرك أن بناء القوة الحقيقية للأمة يحتاج إلى تكامل الميادين، وأن الانتصار في ميدان لا ينفصل عن الصمود في الميادين الأخرى.
في الإعلام، كان يدرك قيمة الكلمة وخطورة المعركة النفسية، ويعرف كيف يخاطب جمهوره، وكيف يواجه رواية العدو، وكيف يحول الخطاب إلى وسيلة لتثبيت الوعي ورفع المعنويات وكشف الحقائق. لم تكن إطلالاته مجرد ظهور إعلامي لقائد مقاوم، بل كانت محطات ينتظرها الملايين لفهم تطورات الأحداث واستيعاب أبعاد المواجهة.
وفي السياسة، كان يمتلك قدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة التفاصيل، وبين وضوح الأهداف وفهم التعقيدات الإقليمية والدولية. لم يكن يخلط بين الموقف المبدئي وبين أساليب إدارة الصراع، ولم يكن يرى في التمسك بالثوابت مانعا من قراءة الواقع وتقدير الظروف، بل كان يعتبر البصيرة جزءا من مسؤولية القائد تجاه شعبه وأمته.
وفي الميدان العسكري، لم تكن قيادته منفصلة عن تضحيات المجاهدين، ولم يكن ينظر إلى المقاتلين باعتبارهم أرقاما في حسابات المواجهة، بل كانوا أبناءه وإخوته ورفاق دربه. ولذلك ارتبط اسمه بمعاني الوفاء للشهداء والجرحى وعوائلهم، وبالحرص على أن تبقى تضحياتهم حاضرة في وجدان المقاومة ومسيرتها.
أما في الإيمان والتقوى والصبر، فقد كانت حياته ومواقفه تعبيرا عن قناعة عميقة بأن المسؤولية لا تقاس بما يحققه الإنسان لنفسه من مكانة أو مكاسب، بل بما يقدمه من أجل قضيته ودينه وأمته. لقد جسد معنى أن يكون القائد أول من يتحمل تبعات الموقف، وآخر من يفكر في الامتيازات التي يمكن أن يحصل عليها.
لم يكن قائدا يختبئ خلف مكتبه ويصدر الأوامر، بل كان منذ بداية عمره مجاهدا في الخطوط الأمامية، يتدرج في مسيرة المقاومة والمسؤوليات، ويحمل أعباء القيادة في مراحلها المختلفة. لم يصل إلى موقعه القيادي من طريق الامتيازات أو الحسابات الشخصية، بل من طريق طويل من الجهاد والعمل والتضحيات، حتى أصبحت القيادة بالنسبة إليه مسؤولية ثقيلة لا وجاهة اجتماعية أو منصبا سياسيا.
والأعظم من ذلك أنه لم يكتف بتقديم ما لديه من إيثار وجهاد بعدما أصبح قائدا، بل كانت عائلته جزءا من هذا الجهاد العظيم، ولم تكن بعيدة عن التضحيات التي تحملها أبناء المقاومة.
فحين قدم ابنه شهيدا في هذا الطريق، لم يكن ذلك مجرد موقف شخصي لعائلة فقدت أحد أبنائها، بل كان تعبيرا عن حقيقة النهج الذي عاشه السيد، وعن إيمانه بأن القائد لا يمكن أن يطلب من الآخرين التضحية بما لا يقبل أن يضحي به هو وأهله.
لقد قدم ابنه شهيدا، كما قدم غيره من أبناء هذه الأمة أبناءهم وأحبتهم، ليقول بفعله قبل قوله إنه واحد من هذه العوائل، وإنه لا يرى لنفسه امتيازا على عوائل الشهداء، بل يعتز بأن يكون جزءا من هذا الطريق الذي اختاره بإرادته وإيمانه.
وهنا تتجلى عظمة القيادة التي لا تفصل بين القول والعمل، ولا تجعل من تضحيات الآخرين سلما لمكانتها، بل تكون في مقدمة من يدفعون ثمن المواقف التي يتخذونها.
قائد المواساة الذي ذاق الفقد
لم يكن سماحة السيد مواسيا فقط، بل كان مواسيا فاقدا كما فقدهم، وباذلا كما بذلهم، وصابرا كما صبروا. لم يكن يتحدث عن الشهداء من موقع القائد الذي يكتفي بتقديم التعازي، بل من موقع الإنسان الذي عرف معنى الفقد، وذاق ألم الغياب، وحمل جراح الأمة في قلبه.
لقد عاش مع عوائل الشهداء آلامهم، وشاركهم حزنهم، وكان يدرك أن الكلمات مهما بلغت من البلاغة لا تستطيع أن تعوض أما عن ابنها، أو أبا عن ولده، أو زوجة عن شريك حياتها. لكنه كان يرى في الصبر والثبات والوفاء للتضحيات طريقا لحفظ كرامة الشهداء، وصيانة المعاني التي استشهدوا من أجلها.
ولذلك كانت مواساته نابعة من تجربة، وكان حديثه عن التضحية تعبيرا عن إيمان عاشه قبل أن يطلب من الآخرين أن يعيشوه. وهذه واحدة من أعظم خصائص القيادة الحقيقية؛ أن يشعر الناس بأن قائدهم ليس بعيدا عن آلامهم، وأنه لا يطلب منهم ما لا يقدمه، ولا يتحدث عن الصبر من دون أن يكون قد عرف معناه، ولا يدعو إلى التضحية من دون أن يكون مستعدا لبذل أغلى ما يملك.
إن القائد الذي يشارك شعبه أفراحه وأحزانه، ويحمل معه أعباء الطريق، ويقف إلى جانب عوائل الشهداء من موقع الشريك في الفقد والتضحية، يترك أثرا لا تستطيع الأيام أن تمحوه، ولا تستطيع المسافات أن تفصله عن وجدان الناس.
رحل الجسد وبقيت المسيرة
إن مثل هذا النموذج من القيادة لن يكرره الزمان بسهولة، بل يعجز الزمن عن أن يأتي بمثله، لأن العظمة التي تجسدت في شخصية السيد حسن نصر الله لم تكن نتاج صفة واحدة أو موقف واحد، وإنما كانت حصيلة اجتماع الإيمان والجهاد والبصيرة والتضحية والوفاء في شخصية واحدة.
كان حسينيا بحق، في ثباته على المبدأ، وفي استعداده للتضحية، وفي رفضه للذل والخضوع، وفي إيمانه بأن طريق الحق قد يكون محفوفا بالألم والابتلاء، لكنه يبقى الطريق الذي لا يجوز التخلي عنه مهما اشتدت التحديات.
وكان خمينيا بحق، في رؤيته لضرورة استقلال الأمة عن الهيمنة، وفي إيمانه بقدرة الشعوب على مواجهة مشاريع الاستكبار، وفي فهمه للمقاومة باعتبارها مشروعا يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى بناء الإرادة والوعي والقدرة على اتخاذ القرار.
لقد رحل السيد حسن نصر الله، لكن رحيله لم يكن نهاية الحضور الذي صنعه طوال عقود، ولم تكن شهادته إغلاقا لصفحة من صفحات التاريخ، بل أصبحت جزءا من ذاكرة الأمة ومسيرتها، بما تحمله من دروس في القيادة والإيمان والتضحية والثبات.
وفي الذكرى السنوية الثانية لاستشهاده، لا نحيي ذكرى رجل فحسب، بل نستحضر تجربة قائد بحجم أمة، ورجلا حمل في قلبه آلامها وآمالها، وجعل من حياته موقفا، ومن مواقفه مدرسة، ومن تضحياته شهادة على أن الكرامة لا توهب، وأن المبادئ لا تشترى، وأن القادة الحقيقيين لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف التي يدفعون أثمانها من أعمارهم وأرواحهم وأعز ما يملكون.
سلام على روحك الطاهرة، يا سيد المقاومة، يا من أحبك المحبون لصدقك وثباتك، واحترمك حتى من اختلف معك لعظمة حضورك.
سلام عليك يوم ولدت، ويوم جاهدت، ويوم ارتقيت شهيدا، وسلام على كل قطرة دم بذلتها في سبيل ما آمنت به، وعلى كل موقف بقي شاهدا على مسيرة قائد لم يكن عابرا في تاريخ الأمة.
رحلت يا سيد، لكنك لم ترحل من قلوب الذين أحبوك، وستبقى ذكراك أكبر من مناسبة، ومسيرتك أوسع من حزب، وأثرك أعمق من أن تطويه السنون.




