الجمعة - 18 سبتمبر 2026

بين المتاجرة بالمقدسات وحقيقة المعركة الوطنية..!

منذ ساعتين
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي ||

 

 

إن التاريخ حين يُكتب بمداد الحقائق الناصعة، بعيداً عن زيف البيانات المظللة وإعلام المأجورين، يكشف بجلاء عن معادلة وطنية ثابتة لا تقبل التجزئة ولا المساومة: الوطن هو الثابت الأسمى، والولاء الخالص له فرضُ عينٍ على كل حرٍّ غيور، لا يتبدل بتبدل الظروف السياسية، ولا يُباع في مزادات التحالفات الخارجية، ولا يُرهن لربائب الوصاية الإقليمية والدولية.

إن التعامل مع قضايا الوطن الكبرى وسيادته الوطنية وكأنها “أندية رياضية” تتنافس فيها القوى والمكونات، فيشجع فيها البعض الأجنبي الغازي لمكايدة شريك الأرض والمصير، لهو انحرافٌ فكري وسلوكي خطير يُسقط مفهوم المواطنة الحقة. إن الخلافات والتباينات الداخلية—مهما بلغت حدتها—لا تبرر بأي حال من الأحوال الاستعانة بالمعتدي، أو التنازل عن شبر واحد من الجغرافيا البحرية والبرية للغزاة والمستعمرين.

باب المندب والسيادة البحرية.. التزام وطني وقومي
في الوقت الذي تتكشف فيه خطورة المخططات والتحركات التي تستهدف الأمن القومي اليمني والعربي على حد سواء، يبرز موقف القوى الوطنية والمؤسسة العسكرية في صنعاء كحائط صدٍّ متين يذود عن حياض الأمة. إن التحركات البحرية الشجاعة والسيطرة على مضيق باب المندب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر لم تكن مجرد خيار سياسي أو تكتيك عابر، بل هي التزام أخلاقي ووطني وإنساني لحماية السيادة الوطنية، ومنع القوى الاستكبارية من استباحة المياه الإقليمية اليمنية، وللقيام بالواجب المقدّس في نصرة قضايا الأمة، وعلى رأسها مظلومية الشعب الفلسطيني في غزة.

وفي المقابل، تنكشف الممارسات والتصريحات الصادرة عما يُسمى بالقيادات المرتهنة للشارع الخارجي—وفي مقدمتهم رشاد العليمي ومن يدور في فلكه—حيث تتساوق كلياً مع المصالح الأجنبية، وتتغاضى بتواطؤ فاضح عن التهديدات المباشرة المحيطة بالمضيق، ومن ذلك التواجد العسكري المشبوه في الضفة المقابلة لباب المندب (أرض الصومال)، مما يمثل مساساً صريحاً بالأمن القومي الشامل ورهناً للإرادة الوطنية.

تفنيد زيف الادعاءات واستغلال المقدسات
لقد اعتادت المنظومة الإعلامية لدوائر العدوان—ومعها المؤسسة الدينية الرسمية والمشايخ المسيسون في السعودية—على ممارسة أسوأ أنواع التضليل والابتزاز العاطفي لأبناء الأمة الإسلامية. ولعل من أبرز تلك الفبركات والافتراءات التي روّجوا لها بضخ إعلامي هائل وفتاوى معلبة، ادعاءهم المزعوم بأن القوات اليمنية (أنصار الله) استهدفت أو أرادت استهداف الكعبة المشرفة ومكة المكرمة.

إن هذه الرواية المفتعلة لم تكن سوى توظيف سياسي خبيث واستغلال رخيص للمقدسات لتجييش الرأي العام الإسلامي، وتبرير العدوان الظالم والحصار الخانق على الشعب اليمني الصامد. وكيف لليمني—الذي تحرّك إيمانه ونخوته الإيمانية للذود عن الأقصى الشريف وحرمات المسلمين—أن يفكر أو يستهدف قبلته ومبتدأ دينه ومحط أفئدته؟!

إن الازدواجية الفاضحة تجلت بأبهى صورها حينما رأينا تلك الاستنكارات المتسارعة والفتاوى الجاهزة تنطلق لمجرد شائعات وافتراءات موجهة ضد اليمنيين، بينما تخيم حالة من الصمت والجمود المطبق على أولئك العلماء والمؤسسات الذاتية أمام الإساءات والانتهاكات الفعلية واليومية التي تطال المقدسات الإسلامية والدماء الزكية المسفوكة في غزة والقدس الشريف. هذا التناقض الصارخ يثبت للجميع أن المقدسات لدى تلك الأنظمة ليست سوى ورقة سياسية تُستغل لخداع البسطاء وتغطية العجز والارتهان.

شواهد التاريخ ومسار التحولات الفكرية
إن القراءة الواعية في سجّلات التاريخ والتحولات الإقليمية تعري تلك السياسات؛ فالسجل التاريخي للسياسات السعودية—قديمها وحديثها—محشوة بالشواهد التي تؤكد التعامل النفعي مع الأماكن المقدسة. واليوم، تكتمل الصورة من خلال التغيرات الفكرية والأنشطة الدخيلة التي تُفرض جهاراً في أرض الحرمين، في مساس مباشر بالهوية الجامعة والقيم الإسلامية الأصيلة لهذه البلاد المقدسة، مما يُسقط كل الشعارات المزيفة حول “حماية الدين والمقدسات”.

خلاصة القول
إن المرحلة الاستثنائية الحرجة التي تمر بها أمتنا تتطلب ترسيخ الولاء الوطني الخالص، والالتفاف الواعي حول قضايا السيادة والكرامة. إن حماية الأرض، وصيانة المياه البحرية، والدفاع عن المقدسات وقضايا الأمة المركزية (وفي مقدمتها فلسطين) ليست محل مساومة سياسية ولا تجارة إعلامية. وسيبقى اليمن بسواحله ورجاله وقواته المسلحة الحارس الأمين لسيادته ولأمن أمته القومي، عصياً على الانكسار، ورافضاً لكل أشكال التبعية والوصاية والارتهان.