الخميس - 17 سبتمبر 2026

نفَسُ الرَّحْمَنِ وَقَرْنُ الشَّيْطَانِ.. المَعْرَكَةُ الصَّارِمَةُ بَيْنِ حِكْمَةِ اليَمَنِ وَفِتَنِ الكذابين..!

الخميس - 17 سبتمبر 2026

القاضي/ حسين محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

 

 

 

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
لقد أبان الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أعمال البر، وصفات المتصفين به، فبدأ بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، ثم أتبع ذلك بصالح الأعمال، وبذل المال، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
فالناس إنما يتفاوتون في أقدارهم بمقدار إيمانهم وأعمالهم، وليس التفاضل الحقيقي بكثرة المال، ولا بعلو الجاه، ولا بقوة السلطان، وإنما بما وقر في القلب من إيمان، وما ظهر على الجوارح من صالح الأعمال.
وإنما الرفعة والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما جاء في الذكر الحكيم:
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
فمن صدق في إيمانه رفع الله مقامه، وخفض من يريد إذلاله وهوانه، وهيهات أن يخفض المرء يتمه أو عدمه إذا رفعه الحق بإيمانه وعلمه.
وفي القرآن الحكيم على ذلك دليل، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.
ففي الإيمان بالله النجاة من عذاب الله، والفوز برضوانه، وإلى ذلك يرشد العزيز الحكيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
فمن آمن بالله نال ما تمناه من السعادة، وطاب عيشه، وضاعف الله أجره وثوابه، وأمِن من العذاب، ونجا من الهلكة يوم الحساب، وكان في الناس حسن الأخلاق، قويًّا في إيمانه، مجتهدًا في عمله، يحبه الله ويحبه الناس.
وقد اختص الله بذلك قومًا، فأثنى عليهم على لسان من لا ينطق عن الهوى، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية».
والمراد بكون الإيمان يمانيًّا نسبةُ الإيمان إلى اليمن كمالًا وتشريفًا، وما عُرف عن أهله من رقة القلوب، ولين الأفئدة، وسرعة الاستجابة للحق.
وجاء في حديث آخر: «الإيمان يمان، والفتنة هاهنا، هاهنا يطلع قرن الشيطان».
والحديث صحيح، وقد ورد بروايات متعددة تبين مقصود النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودلالته.
فقد كشفت الأيام عن دلالات هذا الحديث في الثناء النبوي على أهل اليمن، بما عُرف عنهم من الاستجابة للحق، واللين والتواضع، كما جاء فيه التنبيه إلى الجهة التي تظهر منها الاضطرابات والفتن في الأمة.
فنسبة الإيمان إليهم تعني اختصاصهم بفضيلة الإذعان للحق، ورقة القلوب التي تستجيب لنصرة الإسلام وأهله، وقوله: «الفتنة هاهنا… يطلع قرن الشيطان»، إشارة إلى أتباعه وحزبه، وظهور قوته وأهل طغيانه، وتحديد جهة المشرق إشارة إلى الجهة التي يظهر منها قرن الشيطان، أي ظهور حزبه الذين يثيرون الشبهات والفتن.
ويستفاد من ذلك التحذير من الفتن، والتنبيه النبوي المسبق إلى أماكن ظهورها، ليحذر المسلمون من الانقياد لها.
وثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل اليمن يستفاد منه حث الأمة على الاقتداء بما اتصفوا به من خصال الخير؛ فالقلوب اللينة التي تخشع وتلين لذكر الله هي التي يُقتدى بها.
أما القلوب القاسية، فقد ورد ذمها في القرآن الحكيم، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. وقال سبحانه: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.
وقد ورد في السنة النبوية الدعاء لأهل الشام واليمن بالبركة، قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فقال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا».
قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ قال في الثالثة: «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان».
وقد ذكر ابن حجر أن امتناع الدعاء لجهة المشرق لا يعني ذم كل فرد يقطنها، بل يرجع الذم إلى ما يظهر فيها من بدع وفتن عامة، فمن ثبت على الحق فله أجره وفضله.
وقد ورد فيما أخرجه أحمد في مسنده أن الإيمان والحكمة هاهنا، وفيه إشارة إلى اختصاص أهل اليمن بذلك، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد أيضًا:
«وأجد نفس ربكم من قبل اليمن»، وفي رواية: «أجد نفس الرحمن من قبل اليمن».
وهو دلالة على حصول التفريج على الأمة من قبل اليمن إذا أشتدت المحن.
لقد كان السيد حسن نصر الله يتفاءل بذلك ويقول أن الفرج آت من اليمن
فمعنى النَّفَس في لغة العرب: التفريج والتنسيم والتكشيف للمحن.
يقال في اللغة: نفَّس الله عن فلان كربته، أي فرَّجها وكشفها، فالنَّفَس هنا اسم لما يُنَفِّس ويُفَرِّج به عن المؤمنين من الكرب والشدائد.
فالحديث ثناء نبوي كريم، وبيان لفضل أهل اليمن، والمراد بـ «نَفَس ربكم» و*«نَفَس الرحمن»* ما ينزله الله من الرحمة للمؤمنين من تلك الجهة، وما يحدثه من نصر وفتح.
وفي ذلك ما يثبت صحة إيمانهم واستمراره، كما أخبر النبي الكريم.
فالجملة الاسمية في علم المعاني والبيان تفيد الاستمرار والدوام، كما أن الجملة الفعلية تفيد التجدد والحدوث.
ومن هنا ندرك أنه في زمن ظهور أهل الفتنة ينبغي ألا يصدق أهل الإيمان إشاعات أهل الفتنة واستهدافهم للكعبة المشرفة من قبل أهل اليمن، وهم الذين يدافعون عن مقدسات الإسلام، وينصرون غزة وشعب فلسطين، ويسعون إلى تحرير الأقصى الشريف.
وأهل اليمن هم الذين سعوا منذ فجر الإسلام إلى نشر الإسلام، وبهم تأسست دولة النبوة، وقادوا الفتوحات الإسلامية، حتى وصل موسى بن نصير بالإسلام إلى قلب أوروبا، ووصل عبد الرحمن الغافقي بالإسلام إلى قلب فرنسا، ووصل أبو السمح الخولاني إلى الصين، وهم من أدخلوا الإسلام إلى جنوب شرق آسيا.
لقد حوصرت اليمن منذ ١٢ عاما وبغي عليهم، وقتل من أبنائها عشرات الآلاف وهدمت المساجد وصالات العزاء والأفراح ظلما ، ولم يمنع ذلك اليمنيين من جهاد الصهيونية وأعداء الإسلام في فلسطين، وقد ملكوا بفضل الله الصواريخ فرط صوتية والطائرات المسيرة، والصواريخ المجنحة، ولما أعلن السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله القائد المظفر عزم اليمن فك الحصار على اليمن وضرب المعتدين في عقر دارهم بقوة السلاح عملا بقول الحق سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ} عند ذلك لهج أعداء اليمن لاشاعات كاذبة أن اليمن تستهدف مكة المكرمة، ولا تنطوي هذه الأكاذيب على من يعرف اليمن ومكانتها، وأن أهلها حريصون على حفظ المقدسات ورفع راية الإسلام.
إن من يسعى إلى الانتقاص من مكانة أهل اليمن إنما يسيء إلى نفسه؛ فافتراء الكذب ليس من أهل الإيمان، فقد جاء في القرآن الكريم: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.
لقد عُرف أهل اليمن بصدق الكلمة ونصرة الإسلام منذ فجر الإسلام، ونزل بحق قوم منهم قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
و أبناء اليمن هم الذين يسعون إلى نشر الإسلام ورفع راية الجهاد وانقاذ الشعب الفلسطيني وتحرير الأقصى الشريف، لما جُبلوا عليه من الشجاعة، والحب لله ولرسوله، والغيرة على دينه، ونصرة المستضعفين.
فعلى دعاة الفتنة أن يعودوا عن غيهم، وأن يرفعوا حصارهم وبغيهم وفسقهم، قبل أن تحل بهم قارعة من عذاب الله، أو يطبق عليهم حكم الله وجزاؤه، قال تعالى:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
فأهل اليمن يدافعون عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويصدون عدوانا عن بلدهم، وهم القوم الذين يتصفون بالبسالة والشجاعة ورباطة الجأش وقوة العزيمة والإقدام والنجدة والفداء ، فإذا ادلهمت الخطوب لم تنكسر عزائمهم، وإذا حضر البأس لم تضطرب قلوبهم ، وإذا اشتد البأس ازدادوا ثباتا وقوة، وإذا مكنهم الله لم يحملهم النصر على البغي والاعتداء، لأنهم يقاتلون ابتغاء مرضاة الله، ويعلمون بأن النصر فضل من الله، وأن القوة أمانة، وأن الظفر الحقيقي هو أن ينتصر الحق ويرفع الظلم ويعاد الأمن، ويحفظ الكرامة،{وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} { وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}.