حدث العاقل عن ادعاءات السعودية.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

حين تضيق ساحة الميدان، وتتعثر أدوات السياسة، يصبح اختلاق الرواية أسهل من مواجهة الحقيقة. وهذا ما يكشفه الخطاب السعودي الأخير بشأن الزعم بأن أنصار الله استهدفوا مكة المكرمة.
فلقد أعلنت السعودية في 16 سبتمبر 2026 اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة، وذهبت إلى وصفها بأنها محاولة لاستهداف المدينة المقدسة، بينما نفى أنصار الله ذلك نفيا قاطعا، مؤكدين أن عملياتهم تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية بعيدة عن المقدسات. وحتى التقارير التي نقلت الرواية السعودية تثبت وقوع الاعتراض، لكنها لا تقدم دليلا مستقلا يحسم أن مكة كانت بالفعل هدف المسيّرة.
وهنا لابد ان يقال: حدث العاقل بما يعقل.
فإذا كان اليمنيون يخوضون مواجهة عسكرية موفقة مع السعودية، ولديهم أهداف معلنة ومباشرة يمكن أن يحققوا من خلالها ضغطا عسكريا واقتصاديا، فلماذا يفتحون على أنفسهم بابا لا يخدم أهدافهم، ويحوّلون المعركة من مواجهة سياسية وعسكرية إلى مواجهة مع مشاعر المسلمين في العالم؟
إن اتهام انصار الله باستهداف مكة المكرمة ليس مجرد خبر عابر؛ إنه خطاب شديد الحساسية، ولذلك فإن تحميله على مجرد رواية طرف واحد دون دليل مستقل وحاسم يجعل القضية أقرب إلى معركة إعلامية وسياسية منها إلى حقيقة مثبتة.
والأهم أن الوقائع المعلنة نفسها تشير إلى أن أنصار الله يعلنون عن استهداف قواعد ومنشآت عسكرية واقتصادية سعودية، في سياق تصعيد واسع وناجح، وينفون استهداف الأماكن المقدسة. وهم صادقون بقولهم.
فما الذي تحتاجه السعودية من قصة مكة؟
تحتاج إلى نقل المعركة من سؤال: ماذا يحدث في اليمن؟ إلى سؤال: من يحمي المقدسات؟ ومن هنا يصبح الاتهام وسيلة لاستجلاب التعاطف، وتحويل الخصومة السياسية والعسكرية إلى قضية دينية كبرى.
ولكن المشكلة أن الإفراط في استخدام المقدسات في الخطاب السياسي قد يفقد الرواية قدرتها على الإقناع، خصوصا عندما تغيب الأدلة المستقلة التي تثبت القصد والهدف.
لذلك، فإن محاولة تقديم كل حادثة عسكرية على أنها استهداف لمكة لا تبدو دليلا على قوة الحجة، بقدر ما تكشف أزمة الرواية نفسها.
قحين تعجز السياسة عن إقناع الناس بالحجة، تبدأ المبالغة في صناعة الخوف. وحين يصبح المقدس وقودا للخطاب السياسي، يكون على العاقل أن يسأل أولا: أين الدليل؟
فليس كل ما يقال يصبح حقيقة، ولا كل إنذار يتحول إلى دليل. والعاقل لا يُقاد بالصراخ، وإنما يبحث عن الحقيقة قبل أن يصدق الرواية.




