القدوة الضائع..!
المهندس علي مشالي ||
١٧/٩/٢٠٢٦

يرى ألبرت باندورا بأبحاثه في التعلم الإجتماعي المعرفي بإن الإنسان يستطيع اكتساب أنماط من السلوك من خلال ملاحظة سلوك الآخرين ونتائجه وليس فقط من خلال التجربة المباشرة أو الثواب أو العقاب، بينما من المنظور الفلسفي الأخلاقي يرى ارسطو بإنه لا تفهم الأخلاق باعتبارها مجموعة من القواعد التي نحفظها فقط، وإنما بوصفها صفات راسخة في شخصية الإنسان تتكون بالممارسة والعادة،
ويربط ارسطو الفضيلة بالسلوك المتكرر والتربية والعادات التي تساعد الإنسان على اكتساب القدرة على التصرف بصورة مناسبة، ومن هنا ينظر إلى القدوة فلسفيا باعتبارها تجسيدا للفضيلة، فبدل إن يرى الإنسان الصدق والشجاعة والعدالة كمفاهيم مجردة يراها متحققة في شخصية إنسان أمامه يتعلم منه كيف تتحول القيمة الاخلاقية إلى سلوك،
أما من يرى أفكار محمد باقر الصدر واطروحاته عن القدوة فأنه يربط ذلك حول قدرة القيمة الاخلاقية على توجيه المسيرة الإجتماعية والإنسان باعتبار إن القيمة يمكن إن تتحول إلى منارة في السلوك الإنساني ونمط حياة يجسد المفهوم الذي يراد للآخرين إن يصاروا عليه، ومن هذا وذاك أعلاه يمكن القول إن القدوة عبارة عن حضور أخلاقي توقظ في الإنسان سؤالا عن ذاته وتخرج صورته كما ينبغي أن يكون حتى تتحول الأفكار إلى واقع ملموس وسلوك متخذ.
وبحسب قاموس الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) فإن القدوة تتكون قي المجتمع من خلال تبيان إن الإنسان لا يختار قدوته من فراغ وإنما تتشكل اختياراته من خلال شبكة من العلاقات الإجتماعية والثقافية التي يعيش فيها، فالانسان منذ طفولته يتعلم من خلال المشاهدة والملاحظة للآخرين ويعد التعلم بالملاحظة من الآليات الأساسية التي فسرتها نظرية التعلم الإجتماعي عند ألبرت باندورا، فالفرد لا يتعلم من خلال تجربته المباشرة فقط وإنما من سلوك شخص آخر ونتائجه حتى يبني وفق ذلك سلوكه الخاص، حيث تبدأ القدوة الإجتماعية غالبا من البيئة القريبة من الأسرة المدرسة الأصدقاء ثم المجتمع، فالوالدان والمعلمون والاقران يمثلون نماذج اجتماعية يراها الفرد بصورة متكررة، ولذلك تأثيرهم يكون بما يمارسونه فعلا وليس قولا، ويشير في نفس السياق روبرت ميرتون عالم الاجتماع بإن اختيار القدوة يمكن من خلال ما اسماه ( جماعة المرجع) اي يقارن الإنسان نفسه مع أشخاص أو جماعات يرى فيها معيارا لما يريد أن يكون عليه وقد يختار فردا معينا بوصفه نموذجا لدور اجتماعي يسعى إلى الوصول إليه.
وتكمن أهمية القدوة في الإنسان والمجتمع بأنها تساهم في بناء الهوية الشخصية، فالانسان ولا سيما بمراحله الأولى يبحث عن نماذج للمشاهدة كما قلنا أعلاه تساعدة في الإجابة عن سؤاله الذاتي ( من اريد ان اكون؟) وهنا القدوة لا تأتي بالاجابات المعلبة وإنما تأتي بالصور التي من شأنها إن يقارن الإنسان ذاته فياخذ ما ينسجم مع مبادئه وشخصيته، أما على مستوى المجتمع فانها تمثيل واضح لعملية انتقال القيم بين الأجيال، فالكتب والقوانين لايمكن لها إن تحفظ القيم وحدها من دون وجود أشخاص يجسدون ذلك.
وكنت قبل أيام قد طرحت سؤالا في مواقع التواصل الاجتماعي للآخر عمن (هو قدوتك في المجتمع العراقي؟) وكانت بعض الإجابات والرسائل التي وصلتني تدعو للتأمل والتفكير أكثر بمسار المجتمع واختياراته وطريقة تعامله مع هذا المفهوم والاهتمام به، فرغم إن السؤال لا يمثل اتيانه عبر دراسة عراقية منهجية ولا من بحث تأتيه اجوبة احصائية من المجتمع الا انه ينبض بعد الإجابات بسؤال آخر ( هل ما زال الإنسان المعاصر يؤمن اصلا بفكرة القدوة؟)،
حيث كانت بعض الإجابات ( لا املك قدوة) ( وهل من الضروري إن نقتدي بأحد؟) و( إن الواقع في البلاد سيء فلا يمكن إن يكون هنالك قدوة) أو( قدوتي ذاتي) وهذه الإجابات تطرح تفسيرات مختلفة بإن غياب النموذج القيمي الذي يجمع بين قوله وفعله حاضر بقوة وإن الإنسان خرج من التفكير البحث عن الشخص إلى التشكيك بالنموذج وإن اختيار الذات كقدوة كيف يمكن إن تؤهل الإنسان ذاته إلى اختيار معاييره الاخلاقية وحده دون فرض للسلطة اخلاقية أخرى عليه، لذا فإن مكانة القدوة الحسنة إن غابت عن المجتمع بصورة فاعلة فانها ستترك المجال لهذه الأسئلة المتكونة عن طريق الإجابات وتفتح الباب لصعود نماذج خاوية قد يكون معيارها على أساس الشهرة أو الحضور أو المال أو القدرة على جذب الانتباه بعيدا عن القيم الصحيحة.




