من حلم البيشمركة الموحدة إلى جوهرة الشرق الأوسط..!
حسن عبد الهادي زاير العڰيلي ||
كاتب سياسي وباحث في الهجرة والتخطيط الاستراتيجي

هناك لحظات فارقة في تاريخ الشعوب والدول تتجاوز في دلالاتها الأطر التنظيمية والمحلية، لتشكل نقطة تحول حقيقية في مسار بناء الدولة وترسيخ استقرارها. ولعل الخطوات العملية المتحققة في توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة وضمن هيكل عسكري وأمني موحد، تمثل واحدة من أهم هذه اللحظات، ليس لإقليم كوردستان فحسب، بل للمنظومة الأمنية والوطنية العراقية ككل.
إن الانتقال بهذه القوة من واقع التشتت الحزبي إلى الفضاء المؤسساتي الحديث ليس مجرد إجراء تنظيمي لإعادة توزيع الألوية والقيادات، بل هو خطوة استراتيجية نحو بناء دولة المؤسسات والقانون. فحين يصبح ولاء المنظومة العسكرية للمؤسسة والمصلحة الوطنية العليا، وتكون قيادتها واحدة وقرارها موحدًا، فإن ذلك ينعكس مباشرًا على تعزيز الأمن القومي العراقي وحماية الاستقرار في المنطقة.
لقد شكلت قوات البيشمركة، إلى جانب القوات المسلحة العراقية بكافة صنوفها، ركنًا أساسيًا في مواجهة التحديات الأمنية والدفاع عن الأرض والإنسان. وحين تتوحد هذه القوة تحت قيادة مؤسساتية مهنية، فإنها لا تكتسب كفاءة عسكرية أعلى فحسب، بل تعزز هيبة القانون وثقة المواطنين بمستقبل الإقليم وحماية مكتسباتهم الدستورية.
غير أن توحيد البندقية والمؤسسة العسكرية، على أهميته، يظل خطوة أولى ضمن رؤية شاملة تتطلب التفاتة جادة نحو توحيد الرؤية والقرار السياسي.
إن الاستقرار المستدام في كوردستان، وفي العراق عمومًا، يحتاج إلى إيجاد مساحات للحوار الوطني والعمل السياسي المشترك الذي يجمع مختلف القوى على القضايا الاستراتيجية الكبرى. إدارة الخلافات داخل البيت الكوردي وفي إطار الدولة العراقية بروح المسؤولية الوطنية تحمي الاستقرار وتمنع تحول التباينات السياسية إلى أزمات تؤثر على القرار الوطني. ولا يعني ذلك إلغاء التعددية السياسية أو مصادرة الآراء، فالتعددية مصدر إثراء وتطور متى ما أُطّرت بالمصلحة العليا، وفي مقدمتها الأمن والتنمية الاقتصادية والحقوق الدستورية وتعزيز الشراكة الوطنية.
إن القوة الحقيقية لأي مجتمع لا تُقاس بعدد السلاح أو بحجم الموارد الطبيعية فقط، بل بقدرته على تحويل تلك الإمكانيات إلى دولة مؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، وإدارة رشيدة تعتمد الكفاءة والحوكمة.
ولست هنا أتحدث بلغة المراقب البعيد، فمن يتابع تاريخ هذا الشعب الكوردي عن قرب يدرك أن ما يحمله من مرونة وصبر وقدرة على النهوض بعد كل محنة هو رأسمال حقيقي لا يقل قيمة عن موارده الطبيعية. شعب صاغته الجبال بقسوتها وجمالها، وعلّمته المحن كيف يحافظ على هويته الثقافية الغنية دون أن ينغلق على ذاته، وكيف ينفتح على شركائه في الوطن العراقي الواحد دون أن يفرّط بخصوصيته. وهذه الروح، إن أُحسن استثمارها ضمن مؤسسات راسخة وقرار سياسي موحد، هي ما يؤهل كوردستان لتكون فعلاً تلك الجوهرة التي يستحقها أبناؤها بعد عقود من التضحية.
ومن هنا، فإن تجربة توحيد المؤسسة العسكرية تحمل رسالة أوسع: إن النجاح في تنظيم القوة يُثبت القدرة على بلورة رؤية سياسية واقتصادية متكاملة. مرحلة التضحيات والتحديات الأمنية يجب أن تتوج بمرحلة البناء والتنمية الشاملة؛ بالاستثمار في التعليم، والاقتصاد المنتِج، والتكنولوجيا، والسياحة، ودعم الطاقات الشبابية والكفاءات الوطنية.
إن إقليم كوردستان، بفضل موقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، وموارده، يمتلك مقومات النجاح ليكون نموذجًا حيًا للتنمية والتعايش والاستقرار، وجزءًا فاعلاً في بناء عراق قوي ومزدهر. متى ما تكاملت المؤسسة الموحدة مع القرار السياسي المتماسك والإدارة الحديثة، فإن الإقليم يبتعد عن سياسات التجييش ليتجه نحو تحول حقيقي يجعله مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا بارزًا في المنطقة:
* مركز أمان وثبات يعتمد سيادة القانون لا مظاهر العسكرة.
* نموذج تنموي يقوم على الاستثمار والتنوع الاقتصادي لا الشعارات.
* بيئة وطنية جامعة تتسع لجميع المكونات من كوردي وعربي وتركماني ومسيحي وإيزيدي.
* مؤسسات قائمة على العلم والكفاءة والتخطيط الاستراتيجي.
إن إنجاز خطوة توحيد القوات العسكرية يبعث بالأمل نحو مستقبل أكثر استقرارًا. وتظل الغاية الأسمى التي نطلع إليها جميعًا هي رؤية مؤسسات وطنية راسخة، وقرار سياسي متزن، واقتصاد قوي يضمن رفاهية المواطن ويخدم الاستقرار الشامل في العراق والمنطقة.
hassanalisar@gmail.com




