اليمن… أدهش الهدهد ويدهشنا اليوم..!
عباس سرحان ||

حين غاب الهدهد عن سليمان، توعّده الملك النبي بالعقاب إن لم يأتِ بخبرٍ يُبرّر غيابه ويدفع عنه العذاب. فأتى الهدهد بعذره الذي نجّاه، إذ قال: “وجدتُ امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرشٌ عظيم”. هذا العذر بظاهره اللفظي المجرد قد لا يبدو كافياً لدفع عقوبة ملكٍ عظيم غاضب كسليمان.
لكن الذي لم يُفصح عنه النص صراحة، وإن أشار إليه ضمناً، أن الهدهد لم يكن يحمل خبراً عابراً، بل كان يحمل دهشة حقيقية أمام مشهدٍ استثنائي: حضارة شاخصة، وعرش عظيم، وقوم متحضرون تحكمهم امرأة حكيمة في زمنٍ ظلت فيه المرأة في أنحاء واسعة من الجزيرة العربية، عبر مراحل طويلة من تاريخها، موضع تهميش بالغ، بل وصل الأمر أحياناً إلى وأدها وهي طفلة، في نقيض صارخ لما رآه الهدهد من امرأة يُحكم باسمها عرشٌ عظيم وقوم متحضرون.
واللافت أن سليمان، عليه السلام، لم يسأل الهدهد: “وماذا يعني إن رأيت قوماً تحكمهم امرأة؟”، ولم يستنكر الخبر أو يستهجنه، بل تعامل معه بجدية لأن ما نقله الهدهد له يستحق الدهشة فعلا، ما حدا به لأن يُرسل رسالة إلى تلك المملكة ويستدعي عرشها. وهذا الصمت النبوي، إن جاز التعبير، يحمل دلالة بالغة على أن ما رآه الهدهد من حضارة وتنظيم وحكمة كان أمراً يستحق التوقف عنده فعلاً، ولا يُستخف به.
تلك الحضارة التي أذهلت الهدهد لم تكن كاذبة ولا مبالغة رمزية، بل كانت مملكة سبأ اليمنية، إحدى أعظم حضارات الجزيرة العربية القديمة، وعاصمتها مأرب التي شيّد أهلها أحد أعجب الإنجازات الهندسية في التاريخ القديم، سد مأرب، ذلك السد الضخم الذي حوّل واحداً من أكثر بقاع الأرض جفافاً إلى واحة زراعية مزدهرة، واستمر صامداً قروناً طويلة قبل أن ينهار.
لم تكن سبأ وحدها؛ فاليمن القديم شهد توالي ممالك ودول: معين، وقتبان، وحضرموت، ثم مملكة حِمْيَر التي ورثت إرث سبأ ووسّعت نفوذها حتى شملت أجزاء من الجزيرة العربية والقرن الإفريقي. وقد عرف الرومان أنفسهم هذه البقعة من الأرض باسم “Arabia Felix”، أي “العربية السعيدة”، تمييزاً لها عن صحارى الجزيرة القاحلة.
وذلك لغناها ووفرة خيراتها وموقعها الاستراتيجي على طرق تجارة اللبان والبخور، تلك السلع الثمينة التي كانت تُنقل من موانئ اليمن الجنوبية عبر قوافل برية طويلة إلى الشام ومصر وبلاد الرافدين، بل وإلى روما نفسها، فأثرت ممالك اليمن ثراءً جعل أوروبا القديمة تتحدث عن “بلاد السعادة” وهي تقصد هذا الركن من الجزيرة العربية.
هذا الازدهار الاقتصادي رافقه ازدهار حضاري موازٍ: خط المسند اليمني القديم، أحد أقدم الأنظمة الكتابية في الجزيرة العربية، ونظم ري متقدمة جعلت الزراعة ممكنة في بيئة قاسية، ومعابد وقصور نُقشت جدرانها بالحروف السبئية التي لا تزال آثارها شاهدة في مأرب وصرواح وغيرها.
وحين شاهد الهدهد هذه الحضارة لم يكن غريباً أن يقف مذهولاً أمامها، فهو طائر جاء من بيئة سليمان في فلسطين، ليجد في جنوب الجزيرة العربية مملكة لا تقل تنظيماً ولا ثراءً ولا حكمة عمّا عرفه في مملكة سليمان نفسها.
اليمن، إذن، ليس بلداً طارئاً على خريطة التاريخ، ولا حاضراً استثنائياً بلا جذور. إنه أرضٌ وصفها العرب أنفسهم بأنها “أصل العرب”، ومنها، بحسب الروايات التاريخية، تفرّقت قبائل عربية عديدة هاجرت شمالاً بعد انهيار سد مأرب لتؤسس ممالك وإمارات في الشام والعراق ونجد.
ومن أرضها خرجت حكمة بلقيس التي عرفت كيف تدير مملكتها بالتشاور، كما تروي الآيات القرآنية نفسها حين استشارت ملأها قبل أن تتخذ قرارها الحاسم، في نموذج حكمٍ رشيد يندر أن يُنسب في ذلك العصر السحيق إلى أي ملكٍ أو ملكة أخرى.
وحين نستعيد اليوم صورة اليمن، بين حربٍ طاحنة وحصارٍ خانق ومحاولات دؤوبة لتصويره بلداً هامشياً أو تابعاً، يجدر بنا أن نستذكر أن هذه الأرض التي يُراد تصغيرها كانت يوماً محط دهشة نبيٍّ وقومه وطائرٍ كاد أن يُعاقب بعد أن أنسته دهشته باليمن موعده مع النبي، وأن حضارتها لم تكن يوماً أقل شأناً من أعظم حضارات التاريخ القديم، بل كانت، في زمانها، مثالاً يُستشهد به على العدل والتنظيم والثراء والحكمة.
فلتعرف كل الدول التي تآمرت على اليمن وحاصرته براً وبحراً وجواً ظناً منها أنها تُركعه، إن الإنسان اليمني كجباله، تعصف به الرياح فلا يتزعزع، وتحاصره السنون فلا ينحني.
جُرّبت عليه كل أسلحة الإذلال فما وجدوا فيه إلا مزيداً من الصلابة، وها هو كطائر أسطوري ينفض عن جناحيه غبار المؤامرة لينهض من جديد وينال ممن تآمر عليه. فمن ظنّ أنه يدفن اليمن، قد دفن بيديه وهم انتصاره.




