السبت - 12 سبتمبر 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 12 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

ما من وهمٍ أشد ضبابية في الوجدان الإنساني من انتظار لحظة سكون شاملة، يضع فيها العالم أوزاره ليرتاح البشر على هامش التاريخ. الواقع أن هذا الكوكب لم يُخلق ليكون مرفأً للاسترخاء الاستراتيجي؛ فالنزاع هو الترس المحرك لحركة الزمن، والأزمات المستعصية لا تطوي صفحاتها لمجرد أننا أرهقنا من ملاحقتها.

من جغرافيا البنغال وشبه القارة الهندية إلى خريطة الشرق الأوسط المشتعلة، لا تشرق الشمس على معجزات مفاجئة؛ فكل ملف معقد يختزن في داخله خيوط استدامته، ويكشف عن نزعة متجذرة لدى الأقوياء لإعادة ترسيم نفوذهم على حساب استكانة الشعوب المستضعفة.

إن القراءة الفاحصة لحركة التاريخ تؤكد أن البنية السياسية للعالم تقوم على التعاقب المستمر للأزمات. لا تخرج أمة من مضيق مظلم إلا لتجد نفسها عند شواطئ مواجهة جديدة، كما أثبتت التوترات المتصاعدة في الممرات المائية الحيوية، والتي لم تكن سوى مولود طبيعي لصدامات سابقة.

هذا الانشغال الدائم ليس مجرد استثناء طارئ، بل هو شرط بقاء للعديد من القوى والنظم الدولية التي تستمد مشروعيتها من إدارة الصراعات لا إنقاذ الشعوب منها.

وفي قلب هذا المعترك، تتلقى القضايا المركزية لأمتنا وفي مقدمتها قضية الحق والمصير ضربات متلاحقة تهدف إلى تجريدها من عمقها السياسي الهوياتي، وتحويلها إلى مجرد ملف إنساني باهت يُستجدى له العطف.

لقد تنوعت أدوات التفكيك في العقود الأخيرة، فتارة تتغطى بمشاريع التصفية تحت عناوين براقة، وتارة أخرى تُغلف بدعوات التذويب العقائدي والمشتركات الهشّة التي تستهدف إفراغ الأديان السماوية والرسالات التوحيدية من جوهرها لصالح نمط عولمي مسخ. وسط هذا المهرجان، يخطئ من يجلس على مقاعد الانتظار الدولية متوهماً أن السماء ستمطر حلولاً جاهزة، أو أن عامل الوقت وحده كفيل برتق الفتوق. إننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة أكثر غموضاً، تتقاطع فيها التحديات التقليدية مع ثورة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحاكمة، مما يفرض علينا الخروج من خانة التلقي.

لن نكون مجرد هامش في معادلة العالم، بل صناع وعي وشركاء حقيقيين في كتابة سيناريو المستقبل وتوجيه مسار التاريخ.