السبت - 12 سبتمبر 2026

تصفعه اليمن فيبحث عن ماء وجهه في العراق..!

منذ 22 دقيقة
السبت - 12 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

في كل مرة تُضرَب فيها السعودية بشكل موجع من أنصار الله في اليمن، يستيقظ العراقيون على اتهام جديد تُلقيه على أبوابهم، وكأن العراق أصبح محطة لتلقي الاتهامات الجاهزة كلما احتاجت الرياض إلى كبش فداء يواري هزيمتها، وإن كان الاتهام هذه المرة لم يأت بالصيغة الفجة المعتادة، بل جاء مغلّفاً بشيء من “الرزانة” الدبلوماسية، حين ادّعت السعودية أن رئيس الوزراء العراقي طلب منها التريث قبل توجيه ضربة انتقامية “كأننا نقول لهم تريثوا لا تصفعونا”.

وبدل أن تقابل الحكومة العراقية هذا الادّعاء بالتحقيق والتمحيص، سارعت إلى إقالة قائد عمليات ميسان وأمرت بإغلاق الحدود مع إيران، في ردة فعل غريبة وتثير تساؤلات قد لا تجد لها إجابات مقنعة مهما حاولت الحكومة أن تجعلها كذلك.

المفارقة اللافتة في هذه القصة أن الحوثيين أنفسهم قد تبنّوا استهداف المنشآت السعودية، وأوضحوا أن المنشآت التي أصابوها، وإن بدت بعيدة جغرافياً عن مواقعهم، فإنها لا تزيد بعداً عن أهداف إسرائيلية سبق لهم أن ضربوها بنجاح.

والاعتراف، كما يُقال، سيّد الأدلة؛ فأنصار الله ليسوا من طينة من ينكرون فعلاً أقدموا عليه. فإذا كان الفاعل قد أعلن عن نفسه بصوت مسموع، فبأي منطق تُوجَّه أصابع الاتهام نحو طرف آخر لم يعلن، بل إنه ينفي التهمة عن نفسه، ولم يُثبَت تورطه، ولم تُقدَّم بحقه قرينة واحدة؟

اتهام العراق بالوقوف وراء ضرب السعودية، خطير ويستوجب أدلة قاطعة ولجان تحقيق محايدة، لا أن يُصدَّق لمجرد صدوره عن الجانب السعودي. فما الأدلة التي قدّمتها الرياض خلال ثلاث ساعات فقط من وقوع الحادث؟ وهل يُعقل أن يُبنى اتهام بهذا الحجم على وقائع لم يمرّ عليها الوقت الكافي؟

الأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو سلوك الحكومة العراقية نفسها. فإقالة قائد العمليات في العمارة وإغلاق الحدود مع إيران بهذه السرعة القياسية يوحيان، من حيث لا تدري الحكومة أو من حيث تدري، بأنها استقرت على قناعة مفادها أن فصائل عراقية هي من نفّذت الضربة.

لكن هذه القناعة السريعة تطرح أسئلة جدّية: كيف توصلت الحكومة إلى هذه النتيجة في زمن قياسي لا يكفي لإجراء تحقيق جدي؟ ومن هي هذه الفصائل بالتحديد؟ وهل اعتُقل أحد منها؟ والأغرب من كل ذلك أن الفصائل المعنية سارعت هي الأخرى إلى التبرؤ من العملية، بل قالت صراحة إنها شرف لا تدّعيه لنفسها، وهو موقف يتناقض تماماً مع سلوك هذه الفصائل حين تنفّذ عملية فعلية، إذ عادة ما تتبناها وتفاخر بها علناً.

ثمة تفسيرات أخرى ترى أن السعودية، وفي محاولة للتغطية على سلسلة هزائمها أمام أنصار الله، وبحثاً عن ساحة أضعف تستطيع فيها استعراض عضلاتها دون كلفة تُذكر، التفتت إلى العراق باعتباره الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية؛ وطبعا ضعف العراق ليس لقصور في قدراته، بل بسبب الهيمنة الأمريكية على قراره، وتشرذم العراقيين وعجزهم عن التوحد خلف موقف واحد. فإذا استبعدنا هذا التفسير، فإن القصة برمّتها لا تستقيم منطقياً، ولا يوجد فيها دليل واحد يمكن أن يضع الفصائل العراقية في موضع الاتهام.