السبت - 12 سبتمبر 2026

“زهران ممداني” يبعث برسالة أخلاقية إلى نواب العراق..!

منذ ساعة واحدة
السبت - 12 سبتمبر 2026

كاظم الطائي _Nor

 

 

 

في السياسة، ليست كل الرسائل بحاجة إلى خطاب طويل، ولا تحتاج دائمًا إلى منصة برلمانية أو مؤتمر صحفي كي تصل إلى الناس. أحيانًا يكون الموقف وحده أكثر بلاغة من عشرات الخطب، وهذا تحديدًا ما فعله عمدة نيويورك زهران ممداني عندما رفض زيادة راتبه التي أقرها مجلس المدينة.

فقد أقر مجلس مدينة نيويورك زيادة في رواتب المسؤولين المنتخبين، لترتفع راتب العمدة من نحو 258 ألف دولار إلى أكثر من 305 آلاف دولار سنويًا، إلا أن ممداني أعلن بوضوح أنه لن يقبل هذه الزيادة. ولم يكن تبريره معقدًا؛ فقد قال، بمعنى واضح، إنه لم يطرق بابًا من أبواب سكان نيويورك وسمع منهم أن مشكلتهم هي أن راتب العمدة قليل. بل ذهب أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن الأموال يمكن أن تذهب إلى جيوب الذين يعانون في المدينة.

هنا تكمن الرسالة التي تستحق أن تصل إلى مجلس النواب العراقي.

فالمسألة ليست في قيمة الراتب وحدها، ولا في كون المسؤول يستحق راتبًا مرتفعًا من عدمه، وإنما في المعنى الأخلاقي للسلطة: ماذا يفعل الإنسان عندما يصل إلى الموقع الذي حلم به؟ هل يعتبر المنصب وسيلة لخدمة الناس، أم يتحول المنصب في نظره إلى فرصة لتعظيم الامتيازات الشخصية؟

وهنا تبدو المفارقة العراقية مؤلمة.

في الوقت الذي يخرج فيه بعض النواب العراقيين للحديث عن المصاريف والامتيازات والرواتب وكأن المال العام ملك خاص، خرج بعضهم بتصريحات أثارت استغراب العراقيين، حتى وصل الأمر إلى القول إن الراتب لا يكفي لأكثر من خمسة عشر يومًا.

وهذا الكلام، قبل أن يكون مستفزًا اقتصاديًا، يمثل استخفافًا بعقل المواطن العراقي الذي يعيش بين ارتفاع الأسعار، والبطالة، وضعف الخدمات، وتراكم الأزمات، بينما يرى مسؤولًا منتخبًا يتحدث عن عدم كفاية ما يحصل عليه خلال نصف شهر.

المشكلة هنا ليست في أن يكون للنائب راتب جيد؛ فالمسؤول الذي يتفرغ للعمل العام من حقه أن يحصل على راتب محترم. لكن الفرق كبير بين الراتب الذي يضمن استقلال المسؤول وكرامته وبين عقلية الامتياز التي تجعل المال العام يبدو وكأنه حق مفتوح للمسؤول.

ولهذا فإن موقف ممداني يستحق التوقف عنده.

هو لم يقل إن المال لا يعني شيئًا، ولم يرفض الراتب من الأساس، وإنما رفض أن تتحول السلطة إلى فرصة تلقائية لزيادة الامتيازات. وكأنه أراد أن يقول للناخب: أنا لم أصل إلى هنا لكي أنسى من انتخبني.

وهذه هي السياسة عندما تستعيد معناها الأخلاقي.

فالمواطن الذي انتخب مسؤولًا يستطيع أن يختلف معه سياسيًا، وأن ينتقده في قراراته، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يشعر بالفخر عندما يرى أن المسؤول لم ينسَ الناس بمجرد وصوله إلى السلطة.

وفي العراق، نحن بحاجة إلى هذا النوع من الرسائل أكثر من أي وقت مضى.

نحن بحاجة إلى مسؤول ينظر إلى راتبه وامتيازاته من زاوية المواطن، لا إلى مواطن ينظر إلى امتيازات المسؤول وهو عاجز عن توفير أبسط احتياجات أسرته.

ومن المفارقات أن الجدل الأمريكي الحالي يقدم مثالًا آخر على خطورة تحويل المال إلى أداة سياسية. فقد أعلن دونالد ترامب مؤخرًا عن وعد بمنح خمسة آلاف دولار لكل بالغ أمريكي إذا حافظ الجمهوريون على السيطرة على مجلسي الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، وهو وعد أثار جدلًا واسعًا بسبب حجمه وتوقيته وآثاره السياسية والاقتصادية.

وبغض النظر عن الموقف من ترامب أو من الحزب الجمهوري، فإن المقارنة الأخلاقية هنا تستحق النقاش: هل تصبح الأموال العامة أداة لتعزيز العلاقة بين السياسي والناخب، أم أن العلاقة السياسية الصحيحة يجب أن تقوم على الثقة والبرنامج والإنجاز؟

وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يريد أن يقول للناس: «انتخبوني وسأمنحكم شيئًا»، وبين من يقول: «انتخبتموني، ولذلك لن أزيد امتيازاتي على حسابكم».

الأولى قد تكون سياسة انتخابية؛ أما الثانية فهي محاولة لاستعادة معنى المسؤولية.

ولذلك فإن رسالة ممداني لا ينبغي أن تُقرأ في نيويورك وحدها. يمكن أن يقرأها النائب العراقي أيضًا، وأن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا:

ماذا يرى المواطن العراقي عندما يرى راتبي وامتيازاتي؟

هل يرى دولة تحترم المسؤول وتضمن له حياة كريمة حتى يستطيع أداء واجبه باستقلال؟

أم يرى طبقة سياسية تعيش في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي يعيش فيه المواطن؟

هذه ليست قضية راتب فقط، وإنما قضية ثقة بين الحاكم والمحكوم.

والسياسي الذي يريد أن يحتفظ بثقة الناس بعد وصوله إلى السلطة، عليه أن يتذكر أن المنصب مؤقت، وأن الامتياز ليس حقًا أبديًا، وأن المال العام ليس غنيمة سياسية.

وربما يكون العراق بحاجة اليوم إلى نموذج يقول فيه المسؤول، قبل أن يسأل عن زيادة راتبه:

هل المواطن الذي انتخبني يرى أن هذه الزيادة تستحق أن أدافع عنها؟
عندها فقط تبدأ السياسة بالاقتراب من الأخلاق.