السبت - 12 سبتمبر 2026

حين يُعاقب الخطأ : ولا تُراجع المنظومة .؟

منذ 21 دقيقة
السبت - 12 سبتمبر 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في الدول التي تتعلم من أزماتها لا تكون الحوادث الأمنية مُجرد وقائع تنتهي بإنتهاء التحقيق ، بل مُؤشرات تستدعي مُراجعةً عميقة للمنظومة التي أنتجت الخلل .
أما حين تتكرر الأخطاء ، ثم تُعالج كُل مرة بالعقوبة أو الإعفاء ، من دون مُراجعة حقيقية للمنظومة التي تُدير الملف الأمني ، فإن الدولة تكون قد عاقبت النتيجة وتركت السبب .؟
وهنا تكمن واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً في الواقع العراقي الراهن .
فالعراق يواجه بيئة أمنية شديدة التعقيد ، تتداخل فيها التهديدات ، وتتنوع مصادرها ، وتتسع فيها الجُغرافيا ،وتتشابك المسؤوليات بين مُؤسسات وأجهزة مُتعددة .
وفي مثل هذه البيئة لا يُمكن بناء أمن مُستقر من خلال جهود مُتفرقة ، أو أستجابات ظرفية ، بل من خلال منظومة مُتكاملة تتكامل فيها المعلومة مع التقدير ، والاستخبارات مع العمليات ، والقيادة مع التنفيذ ، بحيث تتحول الأجهزة المُختلفة من وحدات تعمل بالتوازي إلى منظومة أمنية واحدة تتقاطع فيها الجهود والقُدرات ، ومن الخطأ أختزال أي خلل بشخص مسؤول أو حكومة بعينها .؟
لأن جُزءاً كبيراً منه تراكم عبر سنوات طويلة ، نتيجة تعقيدات سياسية وإدارية ومُؤسسية ، أثرت في مُستوى المهنية والاستقرار المُؤسسي ، وأوجدت في بعض الأحيان تعدداً في مراكز التأثير والقرار ، فضلاً عن آثار الفساد وضُعف التخطيط ، وهي عوامل لا يُمكن مُعالجتها بتغيير الأشخاص وحده .
فالمسؤول الأمني ، مهما بلغت خبرته وكفاءته ، لا يستطيع أن يكون بديلاً عن منظومة مُتكاملة .؟
ولا يمكن أن تُقاس قُدرته على منع كُل خرق بحجم المسؤولية المُلقاة على عاتقه فقط ، ما لم تكن المُؤسسة التي يعمل ضمنها قادرة على توفير المعلومة الدقيقة ، والتقدير السليم ، والانتشار المُلائم ، والقدرات البشرية والتقنية ، وسرعة الاستجابة ، والتنسيق الفعال ، ووضوح الصلاحيات والمسؤوليات ، ولهذا فإن المُحاسبة تظل ركُناً أساسياً من أركان الدولة ، لكنها تفقد قيمتها الإصلاحية إذا تحولت إلى مُجرد رد فعل على الحوادث ، فالمُحاسبة المهنية لا تبحث فقط عمن أخطأ ، وإنما تبحث أيضاً في طبيعة الخلل الذي سَمحَ بوقوع الخطأ ، وفي الثغرات التي جعلت تكراره مُمكناً .
وهنا ينبغي أن يتحول التحقيق من البحث عن مسؤول لتحميله النتيجة إلى وسيلة لفهم الخلل داخل المنظومة وهي مجموعة أسئلة :
أين تعثرت المعلومة .؟
وكيف قُدّر التهديد .؟
وهل كانت عملية أتخاذ القرار مُنسجمة مع طبيعة الموقف .؟
وهل كانت المُؤسسات تعمل ضمن رؤية مُشتركة أم ضمن مسارات مُنفصلة .؟
فهذه الأسئلة وما يماثلها هي التي تجعل من التحقيق أداة للتعلم المُؤسسي لا مجرد إجراء عقابي .
لقد أثبتت تجارب دول خرجت من حروب مُدمرة ، وأنهيارات أمنية وأقتصادية أن أستعادة الدولة لم تبدأ بمُحاولة إخفاء مواطن الضعف ، ولا بكثرة تغيير القيادات ، وإنما بالاعتراف بالخلل ، وإعادة بناء المُؤسسات على أساس المهنية والانضباط والتخطيط والتكامل والمساءلة ، فالاستقرار الأمني ليس نتاج قوة السلاح وحدها ، بل نتيجة منظومة دولة قادرة على أستشراف الخطر ، وإدارة الموارد ، وتوحيد القرار ، وتحويل المعلومات إلى قُدرة فعلية على المنع والاستجابة .
والعراق ، وهو يواجه سلسلة مُتراكمة من الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية ، يحتاج إلى رُؤية تتجاوز منطق مُعالجة الحوادث مُنفردة ، فالمشكلة ليست في غياب الأجهزة أو تعددها ، وإنما في قُدرة الدولة على تحويل هذا التعدد إلى قوة مُؤسسية مُتكاملة ، وفي قُدرتها على حماية المُؤسسات من التأثيرات التي تُضعف مهنيتها ، وترسيخ معيار الكفاءة والنزاهة والتخصص بأعتباره أساساً للعمل العام .

أخيراً وليس آخراً .. إن بناء الأمن المُستدام يبدأ من بناء الدولة القادرة على إدارة أمنها بعقل مُؤسسي لا بعقل رد الفعل .؟
ويبدأ كذلك من مُراجعة التجربة السابقة بصدق ، وأستخلاص الدروس من الإخفاقات ، وإعادة تنظيم العلاقة بين المعلومة والقرار والتنفيذ والمُساءلة ، وترسيخ مبدأ أن السلاح وحده لا يصنع أمناً ، كما أن العقوبة وحدها لا تصنع مُؤسسة ناجحة ، فالدولة التي تريد أن تنهي سلسلة أزماتها الأمنية لا يكفيها أن تُعاقب من أخطأ ، بل عليها أن تسأل لماذا تكرر الخطأ .؟
وكيف يُمكن أن تمنع تكراره .؟
وهنا تحديداً تبدأ المُعالجة الجذرية بإصلاح البيئة التي تنتج الخلل ، وبناء مُؤسسات أمنية مهنية مُتماسكة ، وتوحيد الرؤية الوطنية للأمن ، وإعلاء سُلطة القانون ، وجعل حماية الدولة والمجتمع فوق الحسابات السياسية والمصالح الضيقة .
فالعراق لا يحتاج إلى أمنٍ ينجح في أحتواء الحادث بعد وقوعه فحسب ، بل إلى دولة تمتلك القُدرة على قراءة الخطر قبل وقوعه ، ومنع أسبابه ، والتعامل معه بمنظومة واحدة
وعندما تصبح مُراجعة الخلل جُزءاً دائماً من عمل الدولة لا مُجرد رد فعل على كُل أزمة ، عندها فقط يمكن أن تنتقل المُؤسسة الأمنية من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار …!