انتصارات الأنصار ليست خبراً يمنياً فقط… إنها فرصة عراقية..!
✍️ نزار الحبيب | 12 ايلول 2026 ||

هنا يجب أن نخرج من القراءة التقليدية للأحداث.
انتصارات أنصار الله وتغيّر معادلة البحر الأحمر وباب المندب لا تعني فقط أن طرفاً انتصر وطرفاً خسر، بل تعني أن النظام القديم لحركة التجارة في المنطقة بدأ يتعرض لاختبار حقيقي.
وهنا يجب أن تسأل بغداد:
ماذا لو أصبح أمن الممرات البحرية غير مضمون كما كان؟
وماذا لو بدأت الشركات العالمية تبحث عن طرق برية أكثر أمناً وأقصر وأقل تعرضاً للمخاطر؟
الجواب يقود مباشرة إلى العراق.
العراق ليس دولة تقع على هامش طرق التجارة.
العراق يقع في المكان الذي يمكن أن يربط الخليج بتركيا وسوريا والأردن، والشرق بآسيا وأوروبا.
وهنا تظهر أهمية ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية.
إذا امتلك العراق ميناءً عملاقاً، وسككاً حديدية حديثة للشحن، وطرقاً سريعة، ومناطق صناعية ولوجستية، ومخازن ومراكز توزيع وصيانة، فإن القضية لن تكون مجرد مشروع نقل.
ستكون ولادة قوة اقتصادية عراقية جديدة.
عندها يمكن أن تتحول البضائع القادمة من آسيا والخليج إلى أوروبا عبر الأراضي العراقية، بدلاً من أن تبقى رهينة مسارات بحرية طويلة أو مناطق معرضة للتوتر.
والأخطر بالنسبة لمن اعتادوا النظر إلى العراق كدولة نفطية فقط هو أن العراق في هذه الحالة سيملك ورقة أقوى من النفط: الموقع.
النفط يُستخرج من الأرض ويُباع وينتهي.
أما الموقع الجغرافي، إذا استُثمر بشكل صحيح، فيمكن أن ينتج دخلاً متكرراً من:
الترانزيت، النقل، التخزين، التأمين، الصيانة، إعادة التصدير، التصنيع، الخدمات، والمناطق الصناعية.
وعندها لن يكون المطلوب من بغداد أن تختار بين إيران وتركيا والخليج وأوروبا.
بل سيصبح الجميع بحاجة إلى العراق.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تفهمها الحكومة العراقية.
لا تنظروا إلى تحولات البحر الأحمر وباب المندب باعتبارها أزمة بعيدة.
انظروا إليها باعتبارها جرس إنذار وفرصة في الوقت نفسه.
كلما ازدادت المخاطر على الطرق البحرية، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للطرق البرية البديلة.
وكلما ارتفعت قيمة طريق التنمية العراقي، ارتفعت قيمة الفاو.
وكلما ارتفعت قيمة الفاو، ارتفعت قيمة العراق نفسه.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية.
الدولة التي تملك الممر تصبح طرفاً في المعادلة.
والدولة التي يمر عبرها جزء مهم من تجارة الآخرين لا يمكن تجاوزها بسهولة.
لذلك فإن المطلوب من بغداد ليس الاحتفال بانتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك الطرف.
المطلوب أن تقول:
العالم يتغير… ونحن سنستفيد من هذا التغيير.
نريد عراقاً لا يعيش على سعر برميل النفط، بل يربح من حركة التجارة بين القارات.
نريد الفاو ليس ميناءً عراقياً فقط، بل بوابة تجارية إقليمية.
نريد طريق التنمية ليس خطاً على الخريطة، بل شبكة اقتصادية تمتد حولها المدن الصناعية واللوجستية.
نريد سككاً تصل إلى الحدود التركية والسورية والأردنية والإيرانية.
نريد صناعات شاحنات وقطارات ومعدات نقل وصيانة داخل العراق.
نريد آلاف الشركات العراقية تعمل في النقل والتخزين والتأمين والخدمات.
عندها فقط نستطيع القول إن العراق بدأ ينتقل من دولة ريعية إلى دولة ممرات وموانئ وصناعة وتجارة.
وهنا المفارقة:
قد تكون بعض القوى الإقليمية والدولية مشغولة الآن بصراع النفوذ والسيطرة على الممرات…
بينما يستطيع العراق، إذا امتلك الرؤية والإرادة، أن يفعل شيئاً أكثر ذكاءً:
أن يصبح هو الممر.
وهذا هو الدرس الاستراتيجي الحقيقي من تحولات المنطقة:
لا تنتظر أن تنتهي الحروب حتى تتحرك.
ابنِ اقتصادك على أساس أن الأزمات ستتكرر، وأن الدول التي تملك البدائل هي التي تفرض شروطها.
العراق أمام فرصة قد لا تتكرر.
إما أن يقرأ التحولات الحالية ويبني موقعه في النظام الاقتصادي القادم…
أو يكتفي مرة أخرى بمشاهدة الآخرين وهم يجنون الأرباح من جغرافيا العراق.
الانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر في معركة بعيدة عنك…
الانتصار الحقيقي أن تعرف كيف تجعل نتائجها تخدم بلدك.




