قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة البقرة: 218﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة البقرة: 218﴾
تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن فتنة المؤمنين عن دينهم، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن حادثة أخطأ فيها بعض المؤمنين في تقدير الموقف، أو معرفة الحكم. ومع ذلك، لم تجعل الآية ذلك الخطأ خاتمة قصتهم، ولم تختزل شخصياتهم في زلتهم، بل أعادت وضعهم في سياق أوسع: الإيمان، والهجرة، والجهاد، ثم الرجاء برحمة الله.
وهذه لفتة قرآنية بالغة الأهمية؛ لأن الإنسان المؤمن ليس معصومًا من الخطأ، فالعصمة لأهلها، وأهلها قليل؛ وإنما هو إنسان اختار طريق الهداية بإرادته، ولكنه قد يضعف في بعض المواقف، أو يخطئ في التقدير، أو يتخذ قرارًا غير صائب، من غير أن يكون ذلك نابعًا من تعمُّده، أو رغبة في مخالفة الحق.
المؤمنون منضبطون، أو ينبغي أن يكونوا منضبطين، لكنهم ليسوا معصومين، فالإيمان لا ينتزع الإنسان من طبيعته البشرية، ولا يجعله محيطًا بكل شيء، ولا يدفع عنه ضغط الظروف واحتمال سوء التقدير. فالمؤمن قد يخطئ في فهم واقعة، أو يجهل بعض ملابساتها، أو يقدّر المصلحة على نحو غير دقيق، أو يتخذ قرارًا يكتشف لاحقًا أنه لم يكن هو القرار الأصوب.
والفرق كبير بين الخطأ والخطيئة المتعمدة. فالخطأ قد ينشأ عن الجهل أو نقص المعلومات أو اضطراب الظروف، أما الخطيئة المتعمدة فتقوم على معرفة الحق ثم الإصرار على مخالفته. ولا يصح أن نضع النوعين في ميزان واحد، أو أن نحاكم كل زلة كما لو كانت دليلًا على فساد النية ومرض القلب وذهاب الإيمان.
ولا مناص من القول: إن أخطر الظواهر الأخلاقية والاجتماعية أن يُحاكم إيمان الإنسان أو تاريخه كله من خلال موقف واحد أو خطأ واحد أو قرار واحد لم يكن موفقًا. فقد يبذل المرء عمرًا في الإيمان والعمل الصالح وخدمة الناس، ثم يقع في خطأ، فيأتي من يلغي كل تاريخه، ويهدم كل حسناته، ويصوّره وكأنه لم يكن يومًا صاحب فضل أو تضحية.
الآية لا تتعامل مع المؤمنين بهذه الطريقة الجائرة. فهي تذكر صفاتهم الكبرى: أنهم آمنوا، أي اتخذوا الإيمان قاعدة لحياتهم. وهاجروا، أي فرّوا بإيمانهم وتركوا البيئة التي تضطهدهم وتمنعهم من ممارسة شعائرهم، وانتقلوا من موقع الاستضعاف إلى موقع المسؤولية. وجاهدوا في سبيل الله، أي بذلوا جهدهم وطاقتهم في نصرة الحق والدين والدفاع عن الجماعة المؤمنة. ثم تقول عنهم: ﴿أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. فهي لا تنكر ما وقع منهم، لكنها لا تسمح له بأن يُلغى تاريخهم كله بسبب واقعة واحدة.
وهذا لا يعني أن التضحيات السابقة تمنح الإنسان حصانة من النقد أو المحاسبة، بل يعني أن الحكم العادل يضع الخطأ في حجمه الحقيقي، ويميّز بين الزلة العابرة والمنهج الفاسد، وبين سوء التقدير والخيانة المتعمدة، وبين من يراجع نفسه ومن يصرّ على خطئه. فالعدل لا يبرر الخطأ، لكنه يرفض الظلم في تقييم المخطئ.
ومن هنا فلا بد من التمييز بين أمرين:
الأول: أن نطالب المؤمن بمراجعة موقفه، وأن نبيّن خطأه، وأن نطلب منه الإصلاح وتحمل النتائج.
والثاني: أن نحكم عليه بأنه فقد كل قيمة، أو أن إيمانه كان زائفًا، أو أن جميع أعماله السابقة باطلة، لمجرد أنه أخطأ في واقعة معينة.
المحاسبة العادلة تنظر إلى الفعل وملابساته ونتائجه، أما الأحكام الجائرة فتنقل الحكم من الفعل إلى الذات كلها. والمشكلة في هذا النوع من الأحكام أنه لا يحقق إصلاحًا، بل يدفع الإنسان إلى اليأس، ويغلق أمامه باب التوبة، ويحوّل المجتمع إلى ساحة لتبادل الاتهامات والإقصاء.
إن قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. يعني أن هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين لا يغترون بإيمانهم وجهادهم، وأنهم حين تقع منهم أخطاء غير متعمَّدة يسارعون إلى تصحيحها، فهؤلاء يرجون رحمة الله، أي هدايته ورعايته وتسديده، فإن رحمة الله لا تقتصر على محو أثر الخطأ الذي كان منهم، بل قد تظهر في إيقاظ ضميرهم بعد الغفلة، ومنحهم شجاعة الاعتراف بالخلل، وإرشادهم إلى القرار الأصوب، وتعليمهم من التجربة ما يجعلهم أكثر نضجًا، وتسديد خطاهم في المواقف اللاحقة.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 12/9/2026 الساعة (05:12)




