الجمعة - 11 سبتمبر 2026
منذ 4 ساعات
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

لم تعد قضية مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء مجرد تفصيل إداري في حكومة يفترض أنها جاءت لتعمل وتنتج وتواجه أزمات العراق المتراكمة، بل بدأت تتحول إلى إختبار حقيقي لطبيعة العلاقة داخل الإطار التنسيقي، ولحدود قدرة مكوناته على إدارة خلافاتها من دون أن تتحول إلى صراع على النفوذ والمواقع، فالإطار الذي يضم قوى متعددة، قد يجد نفسه أمام سؤال أكبر من توزيع منصب أو حقيبة وزارية: هل يستطيع أن يبقى إطاراً واحداً إذا بدأت مصالح مكوناته تتعارض بصورة أكثر وضوحاً؟

المثير في المشهد أن رفض إعادة تفعيل مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء لا يأتي من فراغ؛ فهناك حديث عن توصيات دينية بعدم إستحداث مناصب ترضية لا تضيف شيئاً جوهرياً إلى أداء الدولة، فضلاً عن أن الظروف المالية للعراق لا تسمح، منطقياً، بتوسيع الجهاز الحكومي بمناصب جديدة وأعباء إضافية.

وقد أكدت تقارير حديثة أن هذه العوامل كانت من أسباب إبقاء المناصب معلقة، لكن هنا تبدأ الحكاية السياسية.

إذا كان المنصب غير ضروري، فلماذا يتحول النقاش حوله إلى نقطة خلاف داخل الإطار؟ ولماذا يبدو أن بعض القوى تنظر إلى هذه المناصب بإعتبارها جزءاً من إستحقاقات سياسية، بينما يرى آخرون أن المرحلة لم تعد تحتمل مناصب للمجاملة أو الترضية؟

هنا تحديداً تظهر شخصية زعيم إئتلاف دولة القانون نوري المالكي في قلب المشهد، فالمالكي يقول إن الأولوية هي الحفاظ على الحكومة وإستقرار العراق، ويؤكد ضرورة إستكمال الكابينة الوزارية، بل إن لقاءه الأخير مع رئيس الوزراء علي الزيدي إنتهى إلى التشديد على دعم الحكومة وتسريع إكمال تشكيلتها.

إذن، هل المالكي يخوض معركة من أجل المناصب؟
ربما لا.
المعركة الأعمق قد تكون على المكتسبات والنفوذ والتوازنات التي ستحدد شكل الدولة خلال السنوات المقبلة وهذا يفسر لماذا يصبح تغيير حقيبة هنا أو موقع هناك أكثر حساسية مما يبدو عليه.

فإذا ذهبت وزارة الداخلية إلى جهة، والتعليم إلى جهة أخرى، وإذا بدأت مواقع المحافظين ومجالس المحافظات تخضع لإعادة ترتيب، فإن السؤال لن يكون: من حصل على الوزارة؟ بل: من يعيد رسم خريطة النفوذ داخل البيت الشيعي؟

وهنا تأتي قضية محافظة بغداد، وما يثار حولها من حراك سياسي ومحاولات لإعادة ترتيب موقع المحافظ، في مشهد لا يمكن فصله تماماً عن التنافس بين القوى السياسية، خصوصاً أن المحافظ عطوان العطواني يرتبط سياسياً بدولة القانون، وقد كانت له لقاءات معلنة مع المالكي تناولت ملفات بغداد وإستحقاقات المرحلة السياسية.

هل كل ماتقدم مجرد ممارسة ديمقراطية طبيعية؟
نقول: نعم، يمكن أن يكون كذلك لكن يمكن أيضاً أن يكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع القوة داخل الإطار نفسه، وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل بدأ الإطار التنسيقي يأكل من أطرافه؟

ليس بالضرورة أن يحدث إنشقاق مُعلن، ولا أن يخرج أحد قادته ليقول إن الإطار إنتهى.

أكثر تعقيداً من ذلك، قد يبقى الإطار أسماً، وتبقى إجتماعاته قائمة، وتبقى بياناته تؤكد الوحدة ودعم الحكومة، لكن تحت هذا السقف قد تتشكل تفاهمات جديدة، ومحاور جديدة، وتحالفات إنتخابية جديدة.

والإنتخابات المقبلة قد تكون الإختبار الحقيقي؛فالقوى السياسية التي جمعتها في مراحل سابقة مظلة واحدة قد تكتشف أن حسابات الإنتخابات تختلف عن حسابات تشكيل الحكومة، في الحكومة، تحتاج إلى التوافق أما في الإنتخابات، فأنت تحتاج إلى جمهور.

وهذا يفتح الباب أمام ظهور قوى شيعية جديدة لا تحمل بالضرورة اللغة السياسية التقليدية نفسها، ولا تقدم نفسها بإعتبارها إمتداداً تنظيمياً للإسلام السياسي، وإنما ترفع عناوين الدولة، والشباب، والخدمات، وفرص العمل، ومحاربة الفساد، والإدارة الحديثة.

وقد يكون هذا هو التحول الأهم جيل جديد من الحركات السياسية قد لا يرفض البيئة الشيعية، لكنه يرفض القوالب السياسية القديمة، وهنا قد نجد قوى شيعية جديدة، لكنها أقل إرتباطاً بالشعارات الحزبية التقليدية، وأكثر إقتراباً من خطاب الدولة والمواطنة والشباب.

وإذا حدث ذلك، فإن التحدي أمام قوى الإطار لن يكون من داخل الإطار فقط، سيكون من الشارع أيضاً، فالشارع الذي يبحث عن وظيفة، وسكن، وخدمات، ودولة قوية، قد لا يعنيه كثيراً من حصل على منصب نائب رئيس الوزراء أو أي حقيبة وزارية.

بل قد يسأل سؤالاً أبسط: ماذا قدمتم لنا؟ وهذه هي النقطة التي يجب أن ينتبه إليها الجميع.

العراق ليس جزيرة معزولة، المنطقة ملتهبة، والضغوط الإقليمية والدولية كبيرة، والإقتصاد يحتاج إلى قرارات صعبة، وملف السلاح والدولة يحتاج إلى معالجة هادئة وحاسمة، والحكومة مطالبة بإكمال كابينتها والعمل، لا بإضاعة الوقت في صراعات المواقع، ونوري المالكي نفسه تحدث عن ضرورة الحفاظ على إستقرار العراق، ودعم الحكومة، ومعالجة الملفات الخلافية بالحوار، كما شدد في وقت سابق على أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أساساً لإستقرار العراق.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتحدى المالكي بقية قادة الإطار؟ بل: هل نحن أمام إعادة تموضع داخل الإطار، أم أمام ولادة إطار سياسي جديد؟ وهل ستبقى القوى الحالية تحت سقف واحد حتى الإنتخابات المقبلة؟ أم أن الإنتخابات ستدفع كل طرف إلى إكتشاف حجمه الحقيقي بعيداً عن مظلة التوافق؟

ربما لا نشهد إنشقاقاً كبيراً اليوم، لكن شيئاً ما يتحرك تحت سطح السياسة العراقية، وإذا إستمرت معارك المناصب والمحافظين والوزارات، وإذا تحولت الخلافات السياسية إلى عمليات تصفية حسابات متبادلة، فقد يكون الإطار التنسيقي أمام مرحلة مختلفة تماماً:
مرحلة لا ينقسم فيها البيت الشيعي بالضرورة إلى معسكرين، وإنما يعاد تشكيله إلى عدة بيوت سياسية جديدة.

وعندها لن يكون السؤال: من هو الأقوى داخل الإطار؟ بل: هل يبقى الإطار هو العنوان السياسي الأهم للمرحلة المقبلة أصلاً؟

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع