الخميس - 10 سبتمبر 2026

ازدواجية خطاب الوطنجية في خط واحد..!

الخميس - 10 سبتمبر 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

العراقيون طلاب جامعة سامان الإيرانية
حين تتحول مشادة عابرة إلى قضية وطنية وتُنسى دماء العراقيين

 

تداول الكثيرون خلال الأيام الماضية حادثة العراك التي وقعت في إيران بين عدد من الطلبة العراقيين ومجموعة من المواطنين الإيرانيين، وتعددت الروايات حول أسبابها وتفاصيلها، بين ما هو صحيح وما هو مبالغ فيه أو مفبرك.

ومن حيث المبدأ، لا خلاف على أن الاعتداء على أي طالب عراقي مرفوض، وأن من يثبت تجاوزه يجب أن يحاسب وفق القانون، أياً كانت جنسيته. فالطالب العراقي الذي يدرس خارج وطنه يستحق الحماية والاحترام، كما أن الخلاف بين أفراد لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين شعبين.

لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول بعض من يسمون أنفسهم «وطنجية» استثمار حادثة محدودة لتأجيج العداء ضد إيران، وتحويل شجار بين أفراد إلى معركة وطنية وقومية، وكأن العراق لم يشهد طوال تاريخه الحديث ما هو أكثر فداحة.

أنا هنا لا أتحدث من خلف شاشة، ولا أنقل حكاية سمعتها من الآخرين.

قبل انتقالي إلى العمل الحكومي وممارستي للحياة السياسية، كنت إدارياً ومحاضراً في قسم علوم الحاسبات في الجامعة المستنصرية، وعشت عن قرب تفاصيل الحياة الجامعية خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام عام 2003 وحتى استقالتي عام 2007 بعد تفجيرات الجامعة المستنصرية.

في تلك السنوات، كان الطالب العراقي يذهب إلى الجامعة وهو يحمل كتابه بيد، والخوف على حياته باليد الأخرى.

كانت الاغتيالات والخطف والتهديدات تستهدف الطلبة والأساتذة والموظفين، وكانت بعض الكليات تقع في مناطق شديدة الخطورة بسبب نشاط التنظيمات الإرهابية، ومنها تنظيم القاعدة وأخواته. واضطررنا إلى نقل طلبة وكليات من مناطق خطرة إلى مواقع أكثر أمناً، حتى انتقلت كليات كاملة إلى الحرم الجامعي في شارع فلسطين.

لم تكن الجامعة يومها مكاناً آمناً بالمعنى الطبيعي للكلمة؛ كانت جزءاً من بلد يعيش حرباً مفتوحة مع الإرهاب.

وفي الجامعة المستنصرية عشنا واحدة من أكثر الكوارث دموية. وبحكم وجودي هناك اثناء التفجير، أتمسك بشهادتي الشخصية بأن حجم الضحايا الذين عايشت آثارهم في تلك الحادثة بلغ نحو 800 طالب وطالبة بين شهيد وجريح عام 2007.
ثمانمائة طالب وطالبة.
كانوا في بغداد، في جامعتهم، وفي وطنهم.

وهنا أسأل أصحاب «الوطنية» المستيقظة اليوم: أين كانت غيرتكم آنذاك؟
لماذا لم تتحول دماء طلبة المستنصرية إلى قضية وطنية بحجم الحملة التي نشهدها اليوم؟
ولماذا لا تستحضرون هذه الذاكرة عندما تتحدثون عن كرامة الطالب العراقي؟

ثم جاءت مجزرة سبايكر عام 2014 لتضيف واحدة من أبشع صفحات العراق الحديث. نحو 1700 طالب عراقي وقعوا أسرى بيد عشائر تكريت، الذي قتلهم بدم بارد في عملية قتل جماعي موثقة مع وجود أدلة على ارتكابها بنية الإبادة الجماعية ضد الشيعة.
هؤلاء الشباب كانوا في العراق، وليس في إيران.
كانوا في وطنهم، لا في بلد أجنبي.

لكن السؤال يبقى موجهاً إلى «الوطنجية» الذين يملؤون المنصات اليوم صراخاً:
أين كانت هذه الوطنية عندما كان العراقي يُقتل في جامعته؟
أين كانت عندما كان الأستاذ مهدداً بالاغتيال؟

أين كانت عندما قتل الوطنجي العراقي الذي محد يحب صدام بكده نحو 1700 طالب عراقي في سبايكر لم يعثر لجثة لهم لهذا اليوم؟
لماذا تستيقظ غيرتكم عندما يكون اسم إيران في الحادثة، بينما تصمتون أمام صفحات أكثر دموية في تاريخ العراق؟
الدفاع عن الطالب العراقي حق وواجب.
ومحاسبة المعتدي، أياً كان، أمر لا نقاش فيه.
لكن تحويل حادثة فردية ليس فيها جريمة قتل إلى حملة كراهية ضد شعب كامل ليس دفاعاً عن العراق، وإنما توظيف سياسي للطالب العراقي.
الوطنية ليست أن تجعل إيران عدواً دائماً.
والوطنية ليست أن تتذكر العراقي عندما يكون الطرف الآخر إيرانياً.
الوطنية أن يكون العراقي عزيزاً عليك في بغداد كما هو عزيز عليك في طهران، وأن تكون دماؤه واحدة في ميزانك، سواء كان قاتله إرهابياً أو مجرماً أو أي معتدٍ آخر.
فالطالب العراقي الذي يذهب إلى إيران لا يحمل مشروعاً سياسياً؛ يحمل كتاباً وشهادة وحلماً بمستقبل أفضل. فلا تجعلوه وقوداً لمعركة سياسية لا علاقة له بها.
إذا أخطأ مواطن إيراني، فليحاسب.
وإذا أخطأ طالب عراقي، فليحاسب.
أما أن تتحول حادثة شجار إلى خصومة بين شعبين، فهذا لا يخدم العراق ولا الطالب العراقي.
لا تجعلوا سامان أكبر من شهداء المستنصرية، ولا تجعلوا مشادة بين أفراد أكبر من جريمة شهداء سبايكر.

هناك فرق بين حادثة يعالجها القانون، وبين إرهاب استهدف العراقيين بالجملة.
ومن يريد أن يدافع عن الطالب العراقي، فليدافع عنه بصدق، لا بانتقائية.
لأن كرامة الطالب العراقي لا تبدأ عندما يكون خصمه إيرانياً، ودم العراقي لا يصبح مقدساً فقط عندما يمكن استخدامه في معركة سياسية.
العراق أكبر من خصومتكم، والطالب العراقي أكبر من أن يكون وقوداً لها.

ضياء ابو معارج الدراجي