رؤية “بيشكيك” لمستقبل النظام الدولي… قراءة تحليلية في الذكرى الخامسة والعشرين لمنظمة شانغهاي للتعاون..!
المهندس يونس الكعبي
10 أيلول 2026

يمثل إعلان بيشكيك محطة مفصلية في مسار منظمة شانغهاي للتعاون ؛ فهو لا يقتصر على كونه وثيقة تقييمية لربع قرن من العمل المشترك ، بل يطرح وثيقة أستراتيجية تحدد ملامح رؤية دول أوراسيا لبناء نظام عالمي جديد يبتعد عن الأحادية القطبية ويؤكد على تعددية الأقطاب والمراكز.
للأعلان أبعاد أستراتيجية وجيوسياسية ، بحيث يرسخ لمفهوم التعددية القطبية ، يبرز الأعلان أنتقالاََ تدريجياََ نحو نظام دولي أكثر توازناََ ، مع التركيز على دور المجموعات الأقليمية في أدارة الأزمات الدولية بعيداََ عن الهيمنة التقليدية.
في مجال الأمن والوقاية من الأرهاب ، التأكيد على مواجهة التهديدات الثلاثية (الأرهاب ، الأنفصالية ، والتطرف) ، إلى جانب الأمن السيبراني والأمن الغذائي وأعادة بناء رؤية مشتركة للأستقرار الأقليمي.
كذلك يعمل هذا الإعلان على أعادة تعريف التعاون الأوراسي ، والتنسيق بين مشاريع البنية التحتية الكبرى ، وبناء خطوط نقل وممرات لوجستية تربط شرق آسيا بوسطها وغربها ، مما يمنح قلب العالم وزناََ جيوأقتصادياََ متصاعداََ.
في الأبعاد الأقتصادية والمالية ، تشجع الدول في هذا الإعلان على تسوية المعاملات التجارية بالعملات الوطنية للحد من المخاطر المرتبطة بالعملات الأحتياطية التقليدية ، وتعمل هذه الدول في مجال سلاسل الأمداد والتوريد على تطوير ممرات لوجستية آمنة ومستقلة تضمن تدفق البضائع والطاقة دون التأثر بالضغوط الخارجية.
ولاجل التكامل الأقتصادي الأقليمي ، تسعى هذه الدول إلى ربط خطوط النقل والموانيء الجافة وتسهيل الأجراءات الكمركية لزيادة حجم البضائع المتبادلة بين الدول الأعضاء.
ماذا يمثل هذا الأعلان من مستقبل للمنطقة والعالم؟
على المستوى الأقليمي (أوراسيا) ، يعمل على تعزيز التكامل بين أقاليم جنوب ووسط وشرق آسيا ، وتحويل المنطقة إلى مركز ثقل تجاري وصناعي ، مع خفض التوترات الحدودية بين دول الأقليم عبر آليات بناء الثقة.
على المستوى الدولي ، العمل على الدفع نحو أصلاح المؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة وهياكل الحوكمة المالية) لتعكس التوازنات الديموغرافية والأقتصادية الجديدة ، وترسيخ مفهوم “الأمن غير القابل للتجزئة”.
يقدم أعلان بيشكيك وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة من عمر منظمة شانغهاي ، تنقلها من أطار التنسيق الأمني المحيط بوسط آسيا إلى مظلة جيوسياسية وأقتصادية تؤثر بشكل مباشر في صياغة النظام الدولي المقبل.
مقارنة أستراتيجية وأقتصادية بين منظمة شانغهاي للتعاون ومجموعة البريكس:
تمثل كلٌ من منظمة شانغهاي للتعاون (SCO) ومجموعة البريكس (BRICS) الركيزتين الأساسيتين لمشروع “الجنوب العالمي” وأقليم أوراسيا لأعادة تشكيل النظام الدولي. ورغم تقاطعهما في العديد من الأعضاء والتوجهات العامة ، إلا أن لكل منهما طابعاََ أستراتيجياََ وهيكلياََ مختلفاََ.
أولاََ: المقارنة الهيكلية والمؤسسية:
* الطبيعة القانونية: منظمة شانغهاي للتعاون هي منظمة أقليمية دولية رسمية بميثاق تأسيسي ، وأمانة عامة دائمة في بكين ، وجهاز أقليمي لمكافحة الأرهاب (RATS) . بينما مجموعة البريكس هو منتدى/تكتل غير رسمي يفتقر إلى أمانة عامة مكرسة أو ميثاق ملزم ، وتدار أعماله عبر الرئاسات الدورية.
* النطاق الجغرافي: منظمة شانغهاي للتعاون متركزة في أوراسيا (تضم الصين ، روسيا ، الهند ، باكستان ، أيران ، دول وسط آسيا). بينما مجموعة البريكس عابرة للقارات (تضم دولاََ من آسيا ، أوربا الشرقية ، أمريكا اللاتينية ، أفريقيا ، الشرق الأوسط).
* المؤسسات المالية: منظمة شانغهاي للتعاون تعتمد على بنوك التنمية الوطنية والدفع بأتجاه أنشاء “بنك تنمية منظمة شانغهاي”. بينما مجموعة البريكس تمتلك بنك التنمية الجديد (NDB) والترتيب الأحتياطي للطواريء (CRA).
ثانياََ: الأهداف الأستراتيجية والأقتصادية:
1- منظمة شانغهاي للتعاون (SCO): ترتكز أساساََ على البعد الأمني ، فقد تأسست هذه المنظمة في الأصل لمواجهة الشرور الثلاثة (الأرهاب ، الأنفصالية ، التطرف) ، وحماية الأستقرار الحدودي في الفضاء الأوراسي ، وتأمين الممرات اللوجستية البرية.
البعد الأقتصادي لهذه المنظمة يرتبط بالأندماج الأقليمي البري ، وتنسيق مشاريع البنية التحتية ، وتسهيل التجارة البينية عبر القارة الأوراسية.
2- مجموعة البريكس (BRICS):
البعد الأقتصادي والمالي (المرتكز الأساسي) يعتمد على أصلاح النظام المالي العالمي (صندوق النقد والبنك الدوليين) ، وتقليل الأعتماد على الدولار الأمريكي ، وتشجيع المعاملات التجارية بالعملات الوطنية.
في البعد الأستراتيجي ، تسعى المجموعة إلى بناء جبهة جيوسياسية موسعة لموازنة نفوذ مجموعة السبع (G7) ، وتعزيز تمثيل الدول النامية في الحوكمة العالمية.
ثالثاََ: التكامل والأستكمال الأستراتيجي:
لا تتنافس المنظمتان بل تتكاملان ؛ إذ توفر منظمة شانغهاي العمق الأمني واللوجستي البري في قلب العالم (أوراسيا) ، بينما توفر مجموعة البريكس المنصة الأقتصادية والمالية الشاملة للربط بين أسواق ومؤسسات الجنوب العالمي عبر القارات.
كيف يؤثر أنضمام الدول المنتجة للنصف الأوسط للطاقة إلى البريكس وشانغهاي على سوق الطاقة العالمي؟
يشكل أنضمام كبار منتجي الطاقة في الشرق الأوسط (مثل أيران والأمارات ، والتنسيق الوثيق مع السعودية ودول الخليج) إلى تكتلي البريكس وشانغهاي تحولاََ هيكلياََ في جغرافية الطاقة العالمية ، حيث يدمج أكبر المستهلكين (الصين والهند) مع كبار المنتجين في أطار مؤسسي واحد.
الهدف المعلن هو كسر هيمنة البترودولار وتنويع آليات التسوية ، من خلال أنشاء نظام التسوية بالعملات الوطنية ، مما يتيح هذا الأنضمام أمكانية بيع النفط والغاز باليوان الصيني ، الدرهم الأماراتي ، أو الروبية الهندية ، مما يقلل الطلب على الدولار الأمريكي في معاملات الطاقة الحيوية.
السعي إلى تطوير أنظمة دفع بديلة ، والأستغناء التدريجي عن نظام سويفت (SWIFT) الغربي عبر الأعتماد على شبكات الدفع الوطنية لضمان أستمرارية تدفقات الطاقة بعيداََ عن مخاطر العقوبات المالية.
الهدف الآخر هو أعادة رسم الممرات وسلاسل أمداد الطاقة ، فالمحور الأستراتيجي لهذا الهدف هو التأثير على سوق الطاقة العالمي ، والتكامل بين المنتجين والمستهلكين ، وخلق أسواق مضمونة ومستدامة للنفط والغاز بين الشرق الأوسط وشرق/جنوب آسيا بعقود طويلة الأجل.
أيضاََ تأمين الممرات البحرية والبرية ، وحماية خطوط الأمداد عبر مضيق هرمز وباب المندب والممرات الأوراسية في أطار التنسيق الأمني لمنظمة شانغهاي.
هناك أيضاََ تنسيق للأستثمار في البنية التحتية ، وضخ رؤوس أموال في مشاريع تكرير النفط وأنابيب الغاز والنقل اللوجستي.
هذا التكامل في الأرادات بين أوبك والبريكس يمنح المنتجين قدرة أكبر على التنسيق المشترك لحماية أستقرار الأسعار ومواجهة الضغوط أو السقوف السعرية التي تفرضها القوى الغربية.
مواجهة فاعلية العقوبات الأحادية ، بحيث يصعب فرض عقوبات أقتصادية أو حصار على أي دولة منتجة عندما تكون مبيعاتها مغطاة بأطر تجارية ومؤسسية داخل تكتلات تضم أقتصادات بحجم الصين والهند.
يؤدي هذا الأنضمام إلى تحول مركز ثقل أسواق الطاقة العالمية تدريجياََ إلى الشرق ، مع أعادة تشكيل القواعد المالية والتنظيمية لتجارة النفط والغاز بما يعكس توازنات النظام الدولي متعدد الأقطاب.




