الجمعة - 11 سبتمبر 2026
منذ 9 ساعات
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

بين المليارات وجبل الفأس.. هل قالت إيران لترامب: هرمز ليس للبيع؟هل حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شراء مضيق هرمز؟ قد يبدو السؤال غريباً، فالمضائق لا تباع، والجغرافيا لا تُشترى، والسيادة لا توضع على طاولة المزاد؛ لكن السياسة الأمريكية لا تفكر دائماً بهذه الطريقة، فالذي لا يمكن شراؤه مباشرة، يمكن محاولة الوصول إليه بالصفقات والذي لا يُنتزع بالمال، يمكن الضغط عليه بالعقوبات والذي لا يُسلَّم بالتفاوض، قد يصبح هدفاً للقوة العسكرية.

ومن هنا تبدأ القصة، لقد دار في الآونة الأخيرة حديث عن مقترحات وحوافز إقتصادية وإمكانية الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، في إطار إتصالات ومفاوضات غير مباشرة تناولت الحرب والعقوبات ومستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران، وكان ملف مضيق هرمز حاضراً بقوة في هذه المعادلة.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: هل دفعت أمريكا مئة مليار دولار لشراء مضيق هرمز؟ بل: هل حاولت واشنطن شراء النتيجة السياسية التي تريدها في مضيق هرمز؟ وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة.

هرمز.. الورقة التي لا تريد إيران التخلي عنها بالنسبة للولايات المتحدة، يجب أن يكون مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، بعيداً عن أي تهديد أو إبتزاز أو قدرة إيرانية على التحكم بمصير السفن والطاقة العالمية.

لكن بالنسبة لإيران، فإن هرمز ليس مجرد ممر مائي إنه :
♦️ورقة قوة.
♦️ورقة أمن قومي.
♦️ورقة تفاوض.
♦️وورقة ردع في مواجهة العقوبات والحصار والتهديدات العسكرية.

ولهذا فإن مطالبة إيران بالتخلي عن نفوذها في هرمز ليست، من وجهة نظرها، مطالبة بسيطة بفتح طريق للسفن، بل مطالبة بالتخلي عن واحدة من أهم أوراق القوة التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة.

ومن هنا يمكن فهم الموقف الإيراني.. قد لا تكون طهران قد قالت حرفياً: «مضيق هرمز ليس للبيع»؛ لكن كل ما جرى حتى الآن يوحي بأنها تقول ذلك عملياً، يمكن التفاوض على العقوبات، يمكن التفاوض على الأموال المجمدة، يمكن التفاوض على وقف الحرب، ويمكن التفاوض على البرنامج النووي، لكن هرمز؟ هنا تبدأ الحسابات المختلفة.

هل فشلت صفقة ترامب؟
حتى الآن لا توجد صفقة معلنة ولا يوجد إتفاق نهائي ولا تزال لغة التهديد والوعيد حاضرة، ولا يزال مضيق هرمز جزءاً من الصراع، وهذا يقودنا إلى إستنتاج مهم: ربما لم يفشل ترامب في شراء مضيق هرمز، لأن المضيق ليس للبيع أصلاً، لكنه ربما لم ينجح حتى الآن في شراء النتيجة السياسية التي يريدها، وهنا تكمن المشكلة الأمريكية.

فإذا كانت الحوافز لم تنجح، ماذا بعد؟ هل تزيد واشنطن من حجم العروض؟ أم تزيد من حجم العقوبات؟ أم تنتقل إلى الخيار العسكري؟ من المليارات إلى جبل الفأس هنا تظهر المفارقة.

بينما تتحدث السياسة عن الحوافز والأموال والصفقات، تتحدث الحرب عن جبل الفأس، عاد ترامب إلى التهديد بشأن النشاط الإيراني في الموقع القريب من نطنز، وسط تحذيرات أمريكية لإيران من إستمرار أي نشاط تعتبره واشنطن محاولة لإعادة بناء أو تطوير قدرات نووية حساسة.

فهل فشلت الدبلوماسية؟
أم أن التهديد العسكري جزء من الدبلوماسية الأمريكية؟ ربما الإثنان معاً؛ فالولايات المتحدة تتفاوض بيد، وتلوّح بالقوة باليد الأخرى تعرض الحوافز من جهة، وتتحدث عن الضربات من جهة أخرى.

والرسالة واضحة: تفاوضوا معنا، لكن لا تنسوا أن القوة موجودة، أما الرسالة الإيرانية فتبدو أكثر تعقيداً: نحن مستعدون للتفاوض، لكننا لسنا مستعدين للإستسلام، وهنا تقع العقدة الحقيقية.

ترامب بين الإتفاق والإستسلام..

يبدو أن ترامب يريد إنهاء الحرب، لكنه يريد أيضاً أن يخرج منها منتصراً، يريد إتفاقاً، لكن السؤال: أي إتفاق؟ هل إتفاق يحفظ مصالح جميع الأطراف؟ أم إتفاق تستطيع واشنطن تقديمه للرأي العام الأمريكي بإعتباره إنتصاراً على إيران؟ لأن الفرق بين الإتفاق والإستسلام كبير والفرق بين التفاوض وفرض الإرادة أكبر؛ إيران قد تقبل بتسوية، لكنها لا تريد تسوية تجعلها تبدو وكأنها إستسلمت، وأمريكا قد تقبل بإتفاق، لكنها لا تريد إتفاقاً يجعل إيران تبدو منتصرة.

وبين الطرفين يقف مضيق هرمز! لا كقطعة جغرافية بل كرمز للقوة.

هل الحرب هي البديل؟

إذا فشلت الحوافز، فهل تأتي الحرب؟ وإذا فشلت الحرب، فهل تعود الحوافز؟ ربما هذا هو السؤال الذي يجب أن يقلق المنطقة كلها؛ لأن أي ضربة جديدة ضد إيران لن تبقى داخل الحدود الإيرانية ومضيق هرمز لن يبقى بعيداً عن الرد والنفط لن يبقى بعيداً عن الحرب، والعراق لن يبقى بعيداً عن تداعيات أي مواجهة جديدة، وهنا يجب أن ندرك أن معركة هرمز ليست معركة إيران وأمريكا وحدهما، إنها معركة إقتصاد عالمي، ومعركة أمن إقليمي، ومعركة مستقبل منطقة بأكملها.

هرمز ليس للبيع..
ربما حاولت واشنطن تقديم المال والحوافز، وربما إستخدمت العقوبات والتهديد وربما تفكر بإستخدام القوة، لكن المشكلة أن هناك أشياء لا يمكن شراؤها وهناك أوراق لا يمكن التخلي عنها بسهولة وهناك دول قد تقبل بالتفاوض، لكنها ترفض أن يُفرض عليها شكل التفاوض ونتيجته.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل ستفتح إيران مضيق هرمز؟ بل: بأي ثمن؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الوصول إلى إتفاق يحفظ حرية الملاحة دون أن تطلب من إيران التخلي عن كل أوراقها؟ أم أن ترامب سيواصل الإنتقال من عرض إلى تهديد، ومن تهديد إلى ضربة، ومن ضربة إلى صفقة جديدة؟

حتى الآن، لا أحد يعرف، لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً: مضيق هرمز ليس للبيع.. وعلى ترامب أن يقرر: هل يريد التفاوض مع إيران، أم يريد شراء إستسلامها؟

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع