الجمعة - 11 سبتمبر 2026

عقارات المهجّرين بين ذاكرة المصادرة وعدالة مؤجلة..!

الجمعة - 11 سبتمبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العڰيلي ||
كاتب سياسي وباحث في الهجرة والتخطيط الاستراتيجي.

 

 

 

هناك ملفات لا تنتهي بانتهاء النظام الذي صنعها، بل تبقى مفتوحة في ذاكرة الناس، وفي سجلات العقارات، وفي أروقة المحاكم، وفي حياة عائلات عادت إلى وطنها بعد سنوات طويلة من الغربة، لتكتشف أن الوطن الذي حلمت بالعودة إليه لم يعد يحتفظ لها حتى ببيتٍ كان ذات يوم عنوانها. ومن أكثر هذه الملفات حساسية وتعقيدًا قضية العراقيين الذين هُجّروا قسرًا إلى إيران خلال حقبة النظام السابق، ولا سيما الكرد الفيليون والعراقيون الذين شملتهم حملات التهجير والمصادرة في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عاد كثير منهم بعد عام 2003 ليواجهوا سؤالًا بالغ القسوة: أين ذهب البيت الذي تركناه؟ ومن أصبح مالكه؟ وكيف تحولت ملكية عقار صودر من صاحبه قسرًا إلى سلسلة من البيوع والتصرفات التي يصعب معها على المالك الأصلي استرداد حقه؟
لم تكن عمليات التهجير مجرد نقل أشخاص من مكان إلى آخر، بل كانت في كثير من الحالات عملية اقتلاع متكاملة: إسقاط للجنسية، ومصادرة للوثائق، واستيلاء على الأموال المنقولة وغير المنقولة، وقطع للصلة القانونية بين الإنسان وممتلكاته. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن النظام السابق أسقط الجنسية العراقية عن مئات الآلاف من الكرد الفيليين بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 666 الصادر في 7 أيار/مايو 1980، ورحّل آلاف العائلات قسرًا إلى الحدود العراقية الإيرانية، مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، فيما اعتبرت المحكمة الجنائية العراقية العليا، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2010، تلك الأفعال، بما فيها الإبعاد القسري ومصادرة الممتلكات، جرائم إبادة جماعية. وتتفاوت التقديرات المتعلقة بأعداد المهجرين بحسب الفترة والفئة المشمولة بالإحصاء فبعض الدراسات يقدّر عمليات الترحيل خلال العقد الممتد بين 1980 و1990 بما يقارب المليون شخص بينما ترد في مصادر أخرى، ولا سيما الكردية منها، أرقام تتحدث عن أكثر من مليون فيلي أُجبروا على مغادرة بيوتهم في تلك الحقبة. ومع هذا التفاوت، يبقى الوصول إلى رقم وطني موحد للمتضررين وممتلكاتهم حاجة ملحة لم تُلبَّ بعد. لكن الرقم، على أهميته، لا يستطيع وحده أن يروي المأساة، فخلف كل رقم عائلة، وخلف كل عقار قصة، وخلف كل سند ملكية حياة كاملة انقطعت في لحظة واحدة.
وتكشف التشريعات الصادرة في تلك المرحلة أن الاستيلاء على الممتلكات لم يكن تجاوزًا فرديًا أو تصرفًا عشوائيًا من بعض الموظفين، بل ارتبط بإجراءات رسمية موثقة. فقرار مجلس قيادة الثورة رقم 1566 لسنة 1980 منح صلاحيات لبيع الأموال المنقولة وتصفية الحقوق العائدة لمن وُصفوا آنذاك بـ«الإيرانيين المسفرين»، بل شمل ذلك بعض العقارات والمشاريع الصناعية، وفي العام التالي صدر البيان رقم 1821 لسنة 1981 بشأن تصفية ممتلكات هؤلاء، ونص على إجراءات لتصفية الحقوق والالتزامات المتعلقة بها، مع اعتبار ما آل منها إلى الدولة خاضعًا لإجراءات التصفية. وهنا تظهر المفارقة التاريخية والقانونية بوضوح الدولة التي سلبت الإنسان حقه في بيته ووطنه آنذاك أصبحت، بعد سقوط النظام، مطالبة بإعادة بناء الصلة القانونية بين ذلك الإنسان وملكه، وهذه ليست مهمة سهلة بعد مرور أكثر من أربعة عقود.
والمشكلة الأكثر تعقيدًا تبدأ عندما لا يبقى العقار على حاله فقد يكون المنزل قد بيع مرة، ثم بيع ثانية، وربما ثالثة، وقد يكون المشتري الأخير قد شيّد بناءً جديدًا أو أضاف طوابق أو أجرى تغييرات جوهرية عليه. وهنا لا يعود النزاع مجرد سؤال عن هوية المالك الأصلي، بل يتحول إلى مجموعة أسئلة متشابكة: من هو المالك الحالي؟ وهل كان حسن النية حين اشترى العقار بموجب سند رسمي؟ وهل كان يعلم أنه مصادَر أو مستولى عليه؟ ومن يتحمل التعويض؟ وهل يعاد العقار إلى صاحبه الأصلي أم يُعوَّض عنه؟ ومن يتحمل قيمة الإنشاءات الجديدة، وما مصير الفارق الهائل بين قيمة العقار يوم مصادرته وقيمته اليوم؟ هذه الأسئلة مجتمعة تجعل الملف قانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا في آن واحد.
بعد عام 2003 حاول العراق معالجة جانب مهم من هذه المظالم من خلال تشريعات استرداد الملكية والتعويض، وفي مقدمتها قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010، الذي شمل العقارات التي انتُزعت ملكيتها لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية أو مذهبية خلال الفترة الممتدة من 17 تموز/يوليو 1968 إلى 9 نيسان/أبريل 2003. والأهم أن القانون لم يحصر الحل بإعادة العقار فقط، بل وضع حالات متعددة للتعامل مع العقارات التي تغيرت أوضاعها، فأجاز في حالات معينة إعادة الملكية إلى المالك الأصلي، وفي حالات أخرى تعويضه بقيمة العقار، ولا سيما حين يكون قد خُصص للنفع العام أو طرأت عليه تغييرات وإنشاءات تجعل إعادة الحال إلى ما كان عليه أمرًا معقدًا. وهذا يعني أن القول بغياب أي طريق قانوني لاسترداد هذه الحقوق ليس دقيقًا من الناحية القانونية؛ غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن وجود الحق في القانون لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إليه في الواقع.
فالمهجّر الذي غادر العراق قسرًا في عام 1980 أو 1981 قد يكون اليوم في السبعينيات أو الثمانينيات من عمره، وقد لا يمتلك سوى صورة قديمة لسند الملكية، وقد تكون سجلات العقار قد تغيرت، وقد يكون الوريث هو من يتابع القضية بعد رحيل صاحبها الأصلي، فيما تكون الملكية قد انتقلت عبر عدة معاملات متعاقبة، مع ما يرافق ذلك من تعقيدات في التسجيل العقاري أو الإرث أو الوكالات أو حدود العقار. وفي غير قليل من الحالات لا يكون صاحب الحق قادرًا ماليًا أو صحيًا على خوض نزاع قضائي طويل، فيصبح الزمن نفسه طرفًا في القضية: كلما تأخرت العدالة، ازداد تعقيد الملف.
والموقف الرسمي العراقي بعد 2003 ذهب أبعد من مجرد معالجة ملكيات عقارية بحتة، إذ أشار تقرير عراقي مقدَّم إلى الأمم المتحدة إلى قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا لعام 2010 بشأن الكرد الفيليين، وإلى دعم مجلس الوزراء لذلك القرار بموجب القرار رقم 426 الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر 2010، مع طرح إنشاء هيئة وطنية مستقلة تُعنى بإعادة الجنسية والأموال المنهوبة وإعادة المهجرين والمهاجرين والتعويض المادي والمعنوي. كما تشير وثائق أحدث إلى أن العراق شكّل لجانًا لمعالجة آثار هذه الانتهاكات، تشمل إعادة الجنسية، واستعادة الأموال والأراضي المصادرة أو المسروقة، وعودة المهجرين، والتعويض المادي والمعنوي. وهذا كله يقودنا إلى حقيقة جوهرية: القضية ليست نزاعًا عقاريًا بين أفراد، بل جزء من ملف العدالة الانتقالية وجبر الضرر الذي تعرض له مواطنون عراقيون.
ولعل أكبر مشكلة في هذا الملف اليوم هي غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة ومحدثة تجيب بوضوح عن أسئلة بسيطة في ظاهرها: كم عدد العراقيين الذين هُجّروا إلى إيران؟ وكم عدد العقارات التي صودرت منهم؟ وكم عقارًا أعيد إلى أصحابه، وكم تعذّر إعادته؟ وكم عدد أصحاب الحقوق الذين حصلوا على تعويض، وكم عدد الدعاوى التي ما زالت منظورة أمام القضاء؟ وكم عقارًا انتقلت ملكيته إلى أشخاص آخرين بعد المصادرة؟ فالحديث عن أعداد المهجرين تاريخيًا مهم بلا شك، لكن الأهم اليوم هو إحصاء الضرر القابل للمعالجة؛ نحن بحاجة إلى الانتقال من إحصاء الضحايا إلى إحصاء الحقوق.
ومعالجة هذا الملف لا ينبغي أن تبقى رهينة المبادرات الفردية أو قدرة المواطن على البحث بنفسه عن سند قديم أو مراجعة عشرات الدوائر. المطلوب مشروع وطني واضح المعالم، يقوم على إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للعقارات والأموال المصادرة من المهجرين، ورقمنة السجلات العقارية القديمة وربطها ببيانات المالكين الأصليين والورثة، وفتح نافذة واحدة لأصحاب الحقوق بدل ترك المواطن يدور بين دوائر التسجيل العقاري والقضاء والبلديات وسواها من الجهات. كما يستوجب الأمر إجراء مسح شامل للعقارات التي صودرت ثم بيعت أو نُقلت ملكيتها لاحقًا، وتصنيف الحالات قانونيًا إلى عقارات قابلة للإعادة، وأخرى يتعذر إعادتها، وحالات تستوجب التعويض، مع اعتماد آلية تعويض عادلة تراعي القيمة الحقيقية للعقار والضرر الذي لحق بصاحب الحق، لا مجرد أرقام تاريخية جامدة، فضلًا عن تقديم المساعدة القانونية لكبار السن والورثة الذين لا يستطيعون متابعة الملفات المعقدة بأنفسهم، وإصدار تقرير سنوي علني يبيّن عدد الملفات المنجزة والمتبقية وقيمة التعويضات والعقارات المستردة.
وهذه نقطة شديدة الحساسية تستحق الانتباه: ليس كل من يسكن العقار اليوم مسؤولًا عن جريمة المصادرة التي وقعت قبل عقود، فقد يكون المالك الحالي قد اشترى العقار بطريقة قانونية ولم يكن يعلم شيئًا عن تاريخه، ولهذا فإن العدالة الحقيقية لا ينبغي أن تقوم على خلق مظلومية جديدة لمعالجة مظلومية قديمة. وقد حاول القانون العراقي نفسه معالجة هذه الإشكالية من خلال الموازنة بين حق المالك الأصلي ووضع المالك الأخير في بعض الحالات، عبر إعادة العقار أو التعويض بحسب ظروف كل قضية على حدة، وهنا تتضح مسؤولية الدولة بصورة أكبر: فإذا كان المواطن الحالي حسن النية، والمالك الأصلي صاحب حق ثابت، فإن الدولة هي الأقدر على بناء حل لا يجعل أحدهما ضحية للآخر.
منذ حملات التهجير الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي مرّ أكثر من أربعين عامًا؛ جيل كامل وُلد في المنفى، وأطفال المهجرين أصبحوا آباءً وأجدادًا، والذين تركوا بيوتهم وهم شباب باتوا اليوم كبارًا في السن، وبعضهم رحل دون أن يرى منزله مرة أخرى. وقد وثّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قصص عائلات فيلية عاشت في إيران لعقود بعد أن صودرت وثائقها وأصبحت أوضاعها القانونية معقدة، وهو ما يوضح أن أثر تلك السياسة لم يتوقف عند لحظة الترحيل، بل امتد عبر أجيال. ولهذا فإن استرداد العقار ليس مجرد استرداد جدران، بل هو استرداد جزء من السيرة، واسترداد وثيقة، واسترداد ذاكرة، واسترداد شعور الإنسان بأن الدولة التي حرمته بالأمس من حقه تقف اليوم إلى جانبه لإعادة ذلك الحق.
لقد قطع العراق شوطًا مهمًا حين اعترف رسميًا بأن ما تعرض له الكرد الفيليون كان جريمة إبادة جماعية، وحين أصدر قوانين لمعالجة الملكيات التي انتُزعت بصورة غير قانونية، لكن الاعتراف بالجريمة بداية العدالة وليس نهايتها. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط ماذا فعل النظام السابق بالمهجرين، بل أيضًا ماذا فعلت الدولة العراقية بعد 2003 لإغلاق هذا الملف، وكم بقي منه، ولماذا؟ فالعدالة الانتقالية لا تكتمل بقرار قضائي، ولا بقانون على الورق، ولا بتشكيل لجنة، بل تكتمل حين يستطيع المواطن أن يقول: لقد عاد إليّ حقي، أو حصلت على تعويض عادل عنه، ولم تعد الدولة تنظر إلى مظلمتي باعتبارها ملفًا مؤجلًا.
لقد آن الأوان لفتح ملف ممتلكات العراقيين الذين هُجّروا إلى إيران بصورة مهنية وشفافة، لا بروح الانتقام، بل بروح الإنصاف؛ فالمطلوب ليس البحث عن مذنب جديد بعد أربعة عقود، بل البحث عن حق قديم ما زال ينتظر صاحبه. فالوطن لا يستعيد أبناءه الحقيقيين حين يسمح لهم بالعودة فحسب، بل حين يعيد إليهم، قدر المستطاع، ما انتُزع منهم يوم أُجبروا على الرحيل.
hassanalisar@gmail.com