منهو ال يسمع؟ منهو ال يقرا؟!
مجيد الكفائي ||

لم يكن عزيز علي فنانًا يجلس بعيدًا عن الناس ليتفرج على مصائبهم بل كان واحدًا منهم .
عاش وجعهم ورأى الفقر والظلم والاستبداد وحوّل كل ذلك إلى منلوجات ساخرة كانت تضحك الناس لكنها في الحقيقة كانت تبكيهم من الداخل .
كان يعرف أن السخرية أحيانًا أقوى من ألف خطبة وأن كلمة واحدة صادقة تستطيع أن تزعج صاحب السلطة أكثر من عشرات البيانات .
ولو أن عزيز علي بيننا اليوم فأغلب الظن أنه سيصاب بالحيرة :
أي مصيبة يبدأ بها؟
بالكهرباء؟ بالماء؟ بالدواء ؟ بالبطالة ؟ بالفساد؟
أم بالمسؤول الذي يخرج على الشاشة ليخبر المواطن بكل ثقة أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح بينما المواطن خلف الشاشة يبحث عن اتجاه صحيح واحد يوصله إلى مستشفى أو دائرة حكومية دون واسطة فلا يجد ؟
المواطن يطلب كهرباء فيحصل على مؤتمر صحفي عن الكهرباء .
يطلب ماءً صالحًا للشرب فيحصل على خطة استراتيجية.
يطلب مستشفى محترمًا فيحصل على تصريح عن تطوير القطاع الصحي.
يطلب وظيفة فيحصل على نصيحة بالصبر .
يطلب مكافحة الفساد فيحصل على لجنة لمكافحة الفساد .
والأجمل أن اللجنة قد تحتاج لاحقًا إلى لجنة تراقبها !
وهكذا تستمر الحياة
المواطن ينتظر الخدمة والمسؤول ينتظر المناسبة.
المواطن ينتظر الراتب والمسؤول ينتظر الكاميرا.
المواطن ينتظر الدواء والمسؤول ينتظر التصريح.
والمواطن ينتظر منذ سنوات أن يسمع خبرًا واحدًا يقول: هذه المرة فعلًا سنحاسب .
لكن يبدو أن هذه الجملة تحديدًا لا تزال عالقة في الطريق .
المشكلة ليست أن المسؤول يعيش أفضل من المواطن .
المشكلة أن المواطن هو الذي يدافع الدولة والوطن ، عن الارض والعرض وعن الحدود بينما يشعر أن الدولة مصممة لخدمة غيره .
المواطن يدفع الضرائب والرسوم ويقف في الطوابير ويتحمل الحر والمرض والبطالة وغلاء المعيشة.
أما بعض أصحاب النفوذ فهناك طوابير أخرى لا يعرفونها أصلًا .
طابور المواطن يبدأ من الصباح .
وطابور المسؤول يبدأ من الهاتف .
المواطن يحتاج إلى واسطة كي تنجز معاملته .
أما صاحب النفوذ فقد تكون معاملته هي التي تبحث عن واسطة حتى تصل إليه !
وهنا لابد من السؤال التالي :
هل نحن أمام دولة مؤسسات أم أمام مؤسسة كبيرة اسمها (تعرف منو أني ) ؟
ففي بعض تفاصيل حياتنا يبدو أن القانون موجود فعلًا لكنه خجول جدًا .
موجود في الكتب، في النصوص ،في الخطب
موجود في النصوص.
أما عندما يصل إلى أصحاب النفوذ فيبدو أنه يحتاج إلى موعد مسبق!
والأغرب من كل ذلك أن المواطن يُطلب منه أن يكون وطنيًا وصبورًا ومتحملًا .
اصبر يا مواطن
اصبر فالمستقبل أفضل
اصبر فهناك مشاريع
اصبر فهناك خطط
اصبر فهناك إصلاح .
اصبر
حتى أصبح المواطن يخشى أن يموت قبل أن تنتهي مرحلة الصبر .
أما الامتيازات فلا يبدو أنها تعرف معنى هذه الكلمة .
فالذي يملك النفوذ لا ينتظر كثيرًا والذي يملك العلاقات لا يضيع في الممرات والذي يملك المال يستطيع أحيانًا أن يشتري الوقت بينما المواطن الفقير يدفع عمره ثمنًا لحق بسيط .
وهنا تتحول السخرية من وسيلة للضحك إلى وسيلة للبقاء عاقلًا .
لأنك إذا لم تضحك من هذا التناقض فماذا ستفعل؟
هل ستبكي كل يوم؟
لو عاد عزيز علي ربما لن يحتاج إلى كتابة منلوجات جديدة .
سيأخذ دفترًا ويجلس في أحد شوارع بغداد ويكتب :
يا مواطن لا تسأل وين راحت الفلوس
اسأل : منو بقت عنده؟
وسيقول:
إذا أردت كهرباء لا تطلبها من وزارة الكهرباء
اطلبها من صاحب المولد
وإذا أردت وظيفة لا تراجع دائرة الدولة راجع الجماعة .
وإذا أردت علاجًا لا تمرض أصلًا !
لأن المرض في العراق يحتاج إلى واسطة أيضًا .
وربما يضيف
وإذا أردت أن تصبح مسؤولًا لا تتعب نفسك بالدراسة والخبرة
تعلم فقط كيف تقول : سنشكل لجنة للتحقيق .
لكن المشكلة الحقيقية ليست في النكتة .
المشكلة أن المواطن بدأ يفقد القدرة على الضحك .
لأن الفقر عندما يطول يصبح إهانة .
والمرض عندما لا يجد دواء يصبح مأساة .
والبطالة عندما تقتل أحلام الشباب تصبح جريمة اجتماعية .
والفساد عندما يتحول إلى ثقافة يصبح أخطر من الفاسد نفسه وهنا نوجه تحية للاستاذ المحترم مقدم البرامج العزيز حين قال (والله يارحيم اذا ظلوا الفاسدين كلنا راح نصير مثلك وننسى حتى اسامينا) .
الفنان عزيز علي كان يسخر من المسؤول لأنه كان يريد أن يرى المواطن مرفوع الرأس .
أما اليوم فنحن بحاجة إلى ألف عزيز علي ليس لأن العراق فقير بالحكايات بل لأنه غني جدًا بالمفارقات .
بلد يملك النفط ويستورد الطاقة .
بلد يملك المال وفيه فقير يبحث عن دواء .
بلد يملك الكفاءات وشبابه يبحثون عن فرصة .
بلد يتحدث عن الإصلاح منذ سنوات وما زال الفساد يجد لنفسه طريقًا .
بلد تتغير فيه الحكومات والبرلمانات والشعارات بينما المواطن نفسه ما زال ينتظر التغيير الذي يلمسه بيده .
وهنا تعود إلينا صرخة عزيز علي
منهو اللي يسمع؟
ومنهو اللي يقرا؟
ومنهو اللي يحس؟
ومنهو اللي يعتبر المنصب أمانة مو غنيمة؟
ومنهو اللي يفهم أن كرسي المسؤولية مو كرسي ملك شخصي وأن المال العام مو مال ما إله صاحب
ربما لو عاد عزيز علي اليوم لن يكتب منلوجًا عن الفساد.
سيكتب منلوجًا عن قدرتنا العجيبة على التعايش معه.
وسيسخر ليس من الفاسد وحده بل من منظومة كاملة تستطيع أن ترى الخطأ وتعتاد عليه وترى الفقير وتتجاهله وترى المال العام يُهدر ثم تطلب من المواطن أن يتحلى بالصبر .
وسيضحك ثم يسأل :
منهو اللي يسمع؟ منهو اللي يقرا
والأخطر من السؤال هو أن يكون الجواب :
الكل يسمع… والكل يقرا… بس محد يريد يسمع الحقيقة.
وهنا يا عزيز علي ليست المشكلة أن صوتك غاب .
المشكلة أن الضجيج صار أعلى من الحقيقة .




