إصبع على الجرح.. نقص القادرينَ على التمامِ..!
منهل عبد الأمير المرشدي ||

المرشدي
من ألمؤلم أن يكون الوطن غنيا إلى حدّ الثراء والتخمة قويا إلى حد الهيبة عريقا في تأريخه والحضارات التي بنيت لديه حتى أمسى التاريخ بعضَ من ملامحه ثم تراه جسدا خاويا بلا إرادة , وطن بلا سيادة فقيرا مضطربا منهوبا مسلوب الحضور .
ذلك هو معنى بيت شاعر العراق والعرب إبن الكوفة الكبير ابو الطيب المتنبي حين يتحول من حكمة شعرية إلى محاكمة سياسية ( لَمْ أرَ في عُيوبِ الناسِ عيبًا … كنقصِ القادرينَ على التمامِ ) أي عيب أفدح من أن تملك البلاد كل أسباب القوة والرخاء والحضور فلا تملك قرارها ؟؟؟ أن تملك المعادن والثروات الطبيعية فلا تضمن قوتها او تنهض صناعتها ؟
وأن تملك الملايين من أبنائها فلا تجعل منهم اسباب مشروع النهوض لها ؟
أي عيب اكبر من أن تحمل البلاد في ذاكرتها حضاراتٍ شادت المدن وابتكرت النظم وكتبت اول الحروف وأول القوانين وأول بيت للشعر وقافية في الحب ثم تراها عاجزة عن بناء مدرسة تحفظ كرامة اطفالها أو توفر للناس مستشفى يصون حياة المريض أو مؤسسةٍ تحمي المواطن من فوضى العابثين ؟
أي عيب أفدح من ان نرى دولة تمتلك كل أسباب القوة من جيش وحشد ورجال مؤطرين بالشجاعة والرجولة والبطولة ثم نراهم مسلوبين للإرادة خاضعين للطغاة فاقدين للسيادة!؟
مشكلتنا ليست في قلة المال بل في ضياع البصيرة والقرار .
في بلادنا معادن وثروات ومياه لو أُحسن استخدامها واستخراجها وتصنيعها لأقامت مصانع وفتحت أبواب العمل وأعادت للمال العام معناه . في شبابنا عقول ومواهب لا تنقصها القدرة وإنما ينقصها وطن يقدّر الكفاءة ويحاسب الفاسد والفاشل ولا يجعل الإنتماء لأرباب السلطة او الحزب شرطا للإنصاف أو للنجاح . لقد وقعت الثروة في يد ساسة لا ترى في الوطن إلا خزانة للنهب ولا في الشعب إلا جمهورا للتظاهر وقت طلب الأصنام او الصمت مثل قبور النيام .
سيادتنا سلمّت بندا بعد بند وحقل بعد حقل إلى قوة إستكابرية أجنبية غاشمة لا ترى في بلادنا إلا موقعا استراتيجيا وثروة سائبة وملاذا للعملاء وشعبا خاضعا بالخوف والفقر والانقسام . إن الاحتلال باق بتوم باراك الذي يكتب القرار ويرسم الخطوط الحمراء والتحركات المشروطة والعقود لا يقرأها أحد ولا يراها أحد فتنهب الثروات والنفط والأموال بإسم الإستُمار ويرضى ترامب الذي اصبحت إستشارته ورضاه ضمانةَ للسلطة وتنقيط الدولار !
ويبقى المواطن محروما بين مخدوع بالصنم الذي يعبده وحالم بالأمل الذي ينشده ويائس من فرج قريب ينقذه وهذا هو العيب الذي لا يوازيه عيب .. أن تمتلك أسباب القوة ثم تختار طريق الخضوع والتبعية . أن تمتلك كل اسباب الثراء والرخاء وترتضي الفقر والإذلال !
أن تكون سيدا إبن سيد في الإرث والتاريخ وتفتقد السيادة ورحم الله المتنبي .. لم أرَ في عيوبِ الناسِ عيبا .. كنقصِ القادرين على التَّمام ..




