الاثنين - 31 اغسطس 2026

بعد إستهداف جزيرة لاراك والرد الإيراني.. هل عادت الحرب ؟!

منذ 30 ثانية
الاثنين - 31 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

 

 

لم يكن إستهداف جزيرة لاراك الإيرانية مجرد ضربة عسكرية عابرة، كما أن الرد الإيراني بإستهداف قواعد أمريكية في الإمارات والأردن لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد رد محدود وإنتهى، ما جرى يعيد المنطقة إلى مربع بالغ الحساسية ويطرح سؤالاً أكبر من حدود الضربة والرد: هل عادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أم أننا أمام جولة جديدة من التصعيد المحسوب بهدف تحسين شروط التفاوض؟

اللافت في التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة إستهدفت مواقع إيرانية مرتبطة بتهديد الملاحة في مضيق هرمز، فيما إختارت إيران الرد بإستهداف الوجود العسكري الأمريكي خارج أراضيها، في الإمارات والأردن، وهنا تكمن أهمية الرد الإيراني.

طهران تريد أن تقول لواشنطن إن إستهداف الأراضي والمنشآت الإيرانية لن يبقى بلا ثمن، وإن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة يمكن أن تكون جزءاً من معادلة الرد، وبذلك لم يعد الصراع محصوراً داخل الجغرافيا الإيرانية، وإنما أصبح يمتد إلى شبكة القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.

لكن هل يعني ذلك أن الحرب الشاملة عادت؟ ربما من المبكر الوصول إلى هذه النتيجة.

الأرجح أن الطرفين ما زالا يدركان كلفة الذهاب إلى حرب مفتوحة، الولايات المتحدة لا تريد بالضرورة حرباً طويلة تستنزف قواتها ومصالحها في المنطقة، وإيران أيضاً تدرك أن الحرب الشاملة قد تكون مكلفة جداً، خصوصاً في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي، بالمقابل لدى إيران القدرة على الرد وتهديد القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

لذلك فإن السيناريو الأخطر ليس بالضرورة إندلاع حرب شاملة بضربة واحدة، وإنما حرب الإستنزاف المتدرجة.

ضربة أمريكية محدودة، يعقبها رد إيراني محدود، ثم ضربة أخرى، ثم رد جديد، إلى أن يجد الطرفان نفسيهما أمام سلسلة من العمليات يصعب إيقافها؛ وهنا يصبح مضيق هرمز هو نقطة الإختبار الأخطر، فالجزيرة المستهدفة ليست مجرد موقع جغرافي؛ أهميتها ترتبط بموقعها ضمن واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة إلى حركة النفط والتجارة العالمية، وأي تصعيد عسكري حول هرمز لن يبقى شأناً أمريكياً ـ إيرانياً، بل ستكون له إنعكاسات مباشرة على أسعار النفط وأمن الملاحة وإقتصادات دول الخليج والإقتصاد العالمي.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون فقط حول القواعد العسكرية، وإنما حول من يمتلك القدرة على التحكم بمستوى المخاطر في مضيق هرمز، أما العراق، فإنه يقف في منطقة شديدة الحساسية من هذه المعادلة.

فإستمرار التصعيد بين واشنطن وطهران سيضع بغداد أمام إختبار جديد: كيف تحافظ على أمنها وسيادتها وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتبادل الرسائل والصواريخ؟

وهنا تتقاطع التطورات الخارجية مع ملف داخلي عراقي بالغ الحساسية، هو ملف حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، فأي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن يعيد طرح السؤال بقوة: ماذا سيحدث للقوات والمصالح الأمريكية في العراق؟ وهل ستلتزم جميع القوى العراقية بسياسة الدولة، أم ستعود بعض الفصائل إلى منطق الساحات المفتوحة؟

وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية بالنسبة إلى العراق من مجرد مراقبة الأخبار القادمة من الخليج.

في تقديري، لا يمكن القول حتى الآن إن الحرب الشاملة عادت، لكن يمكن القول إن قواعد الإشتباك التي سادت خلال فترة التهدئة تعرضت لإنتكاسة خطيرة.

فالضربة الأمريكية على جزيرة لاراك أعقبها رد إيراني خارج الأراضي الإيرانية، وهذه معادلة جديدة نسبياً في مستوى الرسائل المتبادلة، ويبقى السؤال الحاسم: ماذا ستفعل واشنطن بعد الرد الإيراني؟

إذا إكتفت الولايات المتحدة بالضربة التي وجهتها إلى لاراك، وإكتفت إيران بدورها بالرد على القواعد الأمريكية في الأردن والإمارات، فقد نكون أمام جولة تصعيد محسوبة تنتهي بالعودة إلى طاولة التفاوض.

أما إذا جاءت ضربة أمريكية جديدة داخل إيران، أو تمكنت إيران من إيقاع خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية، أو تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لضربة خطيرة، فإن الأمور قد تتجه إلى مسار مختلف تماماً.

عندها لن نتحدث عن «جولة تصعيد»، وإنما عن عودة فعلية إلى الحرب.

ولعل أخطر ما في المشهد الحالي أن الطرفين يلعبان بالنار، لكن كلاً منهما يعتقد أنه يستطيع التحكم بدرجة الحرارة!

المشكلة أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار معلن، أحياناً تبدأ بضربة محسوبة، ثم رد محسوب، ثم رد على الرد… إلى أن يصبح التصعيد أكبر من قدرة أصحابه على السيطرة عليه.

وهنا تحديداً تكمن خطورة جزيرة لاراك والرد الإيراني: ليس لأن الحرب الشاملة قد إندلعت، وإنما لأن الباب الذي كان مغلقاً أمامها بدأ يُفتح من جديد.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع