السبت - 29 اغسطس 2026

رسالة الى كل الذين نصبوا العداء لطهران ومحور المقاومة Don’t make enemy that you can’t control .

منذ ساعة واحدة
السبت - 29 اغسطس 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

تقتضي الحصافة السياسية والاستراتيجية إدراك أن معادلة “Don’t make an enemy that you can’t control” ليست مجرد تحذير بلاغي، بل هي قانون حاسم في تاريخ الصراعات: من يصنع خصماً يعجز عن احتواء عقيدته وأدواته، سينتهي به المطاف محاصراً بالنتائج التي حاول تجنبها
إن إدارة الصراع الجيوسياسي تستوجب بالضرورة فهم حقيقة القوة قبل الاستخفاف بها، ورسالة القواعد التاريخية حاسمة: “لا تصنع عدواً لا تستطيع احتواءه أو التحكم بأدوات أدائه.”
العداء الموجه ضد طهران وما يُعرف بـ “محور المقاومة” ينطلق في أحيان كثيرة من قراءات متسرعة أو أمنيات سياسية تتجاهل الطبيعة البنيوية للردع والهندسة العسكرية والأيديولوجية الشاملة التي تبنتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.
أبعاد الإخفاق في تقدير المواجهة
1 – حروب الاستنزاف والعقيدة غير المتمثالة: أثبتت التجربة التاريخية أن الاستراتيجيات التقليدية تعجز عن القضاء على القوى التي تعتمد عقيدة شبكية وموزعة جغرافياً. محور المقاومة يدار بلغة الاستنزاف طويل الأمد وليس القاضية السريعة، مما يجعل تكلفة التحكم في مسار الصراع غير مجدية للطرف الخصم.
2 – الردع المترابط والمرونة الشبكية: لم تعد القوة تتمركز في جغرافية محددة يمكن شلها بضربات وقائية؛ بل تشكلت شبكة تحالفات إقليمية عابرة للحدود متصلة بعقيدة واحدة، حيث تُنفذ الاستراتيجيات بشكل متكافئ ومتوازٍ عند غياب أي مركز قيادي.
3 – السيادة والشرعيات المكانية: الاستهانة بالبعد الشعبوي والأيديولوجي الذي يقود المقاومة يجعل المحاولات الخارجية لفرض شروط تسوية مجرد حلول مؤقتة، حيث يتحول أي استهداف مباشر إلى محفز مضاعف للاستنفار والتجنيد.
4 – فقدان أدوات السيطرة (Uncontrollable Escalation): يقع الخصوم غالبًا في فخ التقييم الخاطئ، حيث يبدأون جبهة صراع على أمل تحقيق أهداف حدية، ليتفاجأوا بأن إدارة شروط الخروج والتحكم في سقف التصعيد أصبحت كلياً بيد الطرف الآخر.
ومن هنا يجب علينا القول من إن العلاقات الدولية وحسابات القوة لا تُبنى على الانفعال السياسي أو التجييش الإعلامي، ومن يسعى لافتتاح جبهات مواجهة مفتوحة دون القدرة على ضبط إيقاعها النهايات يجد نفسه يخوض حرباً مفتوحة تلتهم أدواته وتغير معادلات المنطقة على عكس ما خطط له.

تؤكد الأدبيات الاستراتيجية أن العجز عن إدارة بيئة الصراع غير المماثل يمثل المعضلة الأكبر للقوى التقليدية، وهو ما يفسر هشاشة القواعد التي بُنيت عليها مواجهة محور المقاومة.
أولاً: بيئة الردع الموزع وكسر مبدأ “المركزية القاتلة”
1 – الهندسة الشبكية: يعتمد المحور على نموذج مرن يُعرف بـ الشبكات العابرة للجغرافية؛ حيث لا توجد نقطة استهداف واحدة يمكن بضربها إنهاء الصراع. شل القدرات في مركز معين لا يؤدي لتعطيل الأطراف، بل يُفعّل آليات استجابة لامركزية ومستقلة.
2 – الاستنزاف البطيء مقابل الحسم السريع: تفشل العقائد العسكرية الحديثة لأنها مصممة للحروب الخاطفة (Blitzkrieg)، بينما يستند المحور إلى استراتيجية النفس الطويل واستنزاف الموارد والاقتصاد والأمن النفسي للخصم، مما يجعل مفهوم “النصر” التقليدي عصياً على التحقق.
ثانياً: معادلة منع الوصول وفقدان التحكم بالتصعيد (A2/AD)
1 – حرمان الخصم من ح حرية الحركة: تمتلك طهران وحلفاؤها منظومات طائرات مسيرة وصواريخ دقيقة قادرة على فرض مناطق حظر عملياتية (Anti-Access/Area Denial)، مما يقلص خيارات الخخصم العسكرية ويوجه الضغط نحو بيئته الداخلية.
2 – فجوة التحكم بسقف التصعيد: يغفل المراهنون على خيار المواجهة أن بدء الحرب قد يكون قراراً أحادياً، لكن إدارة مساراتها وشروط إنهائها تتطلب أدوات سيطرة لا يمتلكونها. فتح الجبهات يعني التنازل المسبق عن التحكم بديناميكية الصراع.
ثالثاً: البعد العقدي والديموغرافي
1 – تجاوز مفهوم القوة المادية: المعركة ليست مجرد توازن في العتاد والتكنولوجيا، بل هي صراع إرادات تعززه عقيدة قتالية مت جذرة وقواعد شعبية واسعة تجعل تكلفة الإخضاع غير قابلة للحساب.
2 – البيئة الحاضنة: محاولات عزل المحور عن محيطه الاجتماعي أثبتت عقمها؛ إذ يتعامل هذا المشروع مع المواجهة كمعركة وجودية وليست مناورة سياسية يمكن التراجع عنها تحت الضغط الاقتصادي أو العسكري.
تقتضي الحصافة السياسية والاستراتيجية إدراك أن معادلة “Don’t make an enemy that you can’t control” ليست مجرد تحذير بلاغي، بل هي قانون حاسم في تاريخ الصراعات: من يصنع خصماً يعجز عن احتواء عقيدته وأدواته، سينتهي به المطاف محاصراً بالنتائج التي حاول تجنبها.

وأما تحليل الصراع من منظور عسكري واستخباراتي يوضح أن الخطأ القاتل الذي يقع فيه خصوم طهران ومحور المقاومة هو الاعتماد على نماذج التقييم التقليدية لمواجهة منظومة غير متماثلة ومصممة خصيصاً للتعامل مع التفوق التكنولوجي والمادي.
أولاً: المعضلة الاستخباراتية (Intelligence Fallacy)
الإنهاك الاستخباري وعمى الأهداف: يعتمد المحور على نمط “اللامركزية المنضبطة” (Command Intent)، حيث تمتلك الخلايا والوحدات الميدانية صلاحية التنفيذ الشبه مستقل بناءً على التوجيه الاستراتيجي العام. هذا النمط يحرم أجهزة الاستخبارات المعادية من مفهوم “ضربة قطع الرأس” (Decapitation Strike)، إذ لا يؤدي تحييد القيادات إلى شل المنظومة بل ينشط استجابات تلقائية مُعدة مسبقاً.
التفوق في الاستخبارات المضادة (Counterintelligence): نجح المحور في بناء بيئات أمنية مغلقة تعتمد على شبكات الاتصال السلكية الخاصة، والتشفير البشري، والتمويه الجغرافي، مما يجعل جمع المعلومات التكتيكية عبر الوسائل السيبرانية أو الفضائية محدود الفاعلية مقارنة بالحروب النظامية.
القدرة على جمع ومعالجة المصادر الشاملة (All-Source Intelligence): تمتلك طهران وحلفاؤها شبكات رصد واستطلاع متعددة الطبقات (من المسيرات إلى الاستخبارات البشرية الميدانية) تمنحها “وعياً بالمجال العملياتي” (Domain Awareness)، مما يمكنها من قراءة تحركات الخصم واختراق بيئته الأمنية قبل بدء الهجوم.
ثانياً: المعضلة العسكرية والعملياتية (Operational Blindspots)
استراتيجية حرمان الوصول ورفض المنطقة (A2/AD): تحولت منظومات الصواريخ الدقيقة، والمسيرات الانتحارية، والدفاعات الساحلية إلى شبكة نارية تغطي الممرات المائية والمقرات الحيوية للخصم. الهدف ليس خوض معركة جوية أو بحرية متكافئة، بل تحويل بيئة عمليات الخصم إلى منطقة عالية المخاطر والتكلفة غير الممكن تحملها.
استنزاف مخزونات العتاد العالي التكلفة: تفرض المقاومة استراتيجية “التكلفة العكسية”؛ حيث تُجبر الخصم على استخدام صاروخ دفاع جوي يكلف ملايين الدولارات لأسقاط طائرة مسيرة أو صاروخ موجه كلفته لا تتجاوز عدة آلاف من الدولارات، مما يؤدي لإجهاد سلاح الإمداد سلاسل التوريد اللوجستية للخصوم على المدى الطويل.
إدارة مرنة لسلّم التصعيد (Escalation Dominance): يملك المحور خيارات متعددة لتوزيع الجبهات ونقل المعركة من نطاق جغرافي إلى آخر (البحر الأحمر، شرق المتوسط، العمق الاستراتيجي)، مما يفقد الخصم القدرة على فرض “قواعد الاشتباك” ويجعله في موقع المستجيب والمدافع دائماً.
إن التحذير الاستراتيجي “Don’t make an enemy that you can’t control” يترجم عسكرياً إلى: لا تبدأ معركة مع خصم يمتلك مرونة شبكية، وقدرة على الاستنزاف المفتوح، وآلية استجابة تعجز أدواتك الاستخباراتية والعسكرية عن شلها أو توقع نهايتها.