شناشيل زينب..!
د. أمل الأسدي ||

كان اسمُها (زينب) ويقال: إنّ للإنسان نصيباً من اسمِه، وهي كذلك، ترتدي الخُلُقَ وتنطقُ الهيبةَ، وتشكو همَّها إلى الله تعالى، فلا يسمعُها أحدٌ، ولا يشهدُ حسرتَها أحدٌ، سوى اللهِ المطّلعِ على حالِها!!
تجلسُ يومياً بجانبِ شباكِ الشناشيلِ الذي يشربُ الشمسَ بصعوبةٍ في محلةِ(ام النومي) في الكاظميةِ، وبعد صلاةِ الفجرِ تجلسُ الجلسةَ نفسَها، وتبقى تدعو حتى تسمعَ وقعَ أقدامِ الناسِ ودعواتِهم (يافتاح يارزاق ياعليم) ثم تفوحُ رائحةُ (الحرمل) معلنةً بدايةَ اليومِ الجديدِ، فمن عادةِ نساءِ الكاظميةِ إشعالُ(الحرمل) صباحاً للرزقِ، وإشعالُه مساءً مع الغروبِ لطردِ الحسدِ!!
وبعد أن فاحتِ الحياةُ في المحلةِ، نهضتْ (زينب) وأشعلتْ(ام الفتل) ووضعتْ إبريقَ الشايِ(الفرفوري) الأنيقَ، وأعدّتِ الفطورَ لعمِّها وعمتِها وزوجِها، وهي صامتةٌ، فمازالتِ الأماني تحتلُّ صدرَها، متى ستكونُ أُمّاً؟ ومتى ستشرقُ الضحكةُ البريئةُ على شناشيلِها؟
لبستْ عباءتَها وخرجتْ إلى السوقِ، وكذا سائرُ النسوةِ يخرجنَ لشراءِ الخضارِ واللحمِ بأنفسِهن، ولاسيما أيامَ نزولِ(السبيناغ) إذ يحرصنَ على كثرةِ(الآلة) فيه، وإبانَ طقسِ التحضيرِ لمائدةِ الغداءِ، دعتْها جارتُها (أم محمد) إلى حفلِ مولدِ الرسولِ الأعظمِ في بيتِ أختِها في (العطيفية) قائلةً لها:(تعالي وان شاء الله النبي مايرد ايدج خالية)!!
بقيتْ هذه الجملةُ عالقةً في ذهنِ(زينب)، وقررتْ أن تذهبَ مع جارتِها، وبالفعلِ ذهبتْ هي وعمتُها لتحضرَ حفلَ المولدِ، وبينما كانتِ(الملاية) تنشدُ المدائحَ النبويةَ والكلُّ فرحٌ ومسرورٌ، كانتْ (زينب) تبكي بصمتٍ!
قدموا لها صحنَ(الزردة بالحليب) ومدتْ يدَها لتأكلَ فتراجعتْ، قائلةً في سرِّها: يارسول الله (صلى الله عليك وعلى أهل بيتك) لن أتذوقَ شيئاً من طعامِ مولدِك، حتى تردَّ عليّ وتقرَّ عيني!!
وانتهى حفلُ المولدِ البهيجُ، وعاد الجميعُ إلى منازلِهم، وحلَّ الليلُ وعانقَ القمرُ شناشيلَ(زينب)، وعانقتْ روحُها الانتظارَ والأملَ!!
هنـــــاك قال لها الرجلُ المهابُ: كلي وقري عينا
قالت له: من أنت؟
قال:أنا هو، طلبت أن أرد عليك فرددت!!
خذي، هذا كيس من الصابون لإخوتكِ وهذا الكف من التمر لابنة أختك!!
فقالت له وأنا؟؟
فأجابها: ضعي مافي يدك أولا
فوضعته بسرعةٍ على المنضدةِ ومدتْ يدَها إليه، فأعطاها بكفيهِ تمراً وقال لها: اسمه علي واسمها زهراء!! هل سمعتِ؟
فنهضتْ(زينب) وهي تصرخُ: نعم،لقد سمعت!!
لقد سمعت…
ومازالـــتْ تحكي هذه القصةَ لابنِها علي وابنتِها زهراء في كلِّ ربيعٍ!!
ومازالتِ الشناشيلُ شاهدةً!!
ــــــــــــــــــــــــــــ




