حكاية جحا وحكام الخليج: اشتروا الأمن.. حتى اشتعلت النار في البيت..!
✍️ نزار الحبيب || 28 اب 2026

جاءه أهل القرية وقالوا له: «يا جحا، لقد كثر الفساد في القرية».
فقال لهم: «لا تقلقوا، فالفساد بعيد عن الحي الذي أسكن فيه».
ثم عادوا إليه وقالوا: «لقد وصل الفساد إلى الحي الذي تسكن فيه».
قال: «لا بأس، فهو بعيد عن الزقاق الذي أسكن فيه».
ثم وصل الفساد إلى الزقاق، فقال: «ما زال بعيدًا عن بيتي».
حتى جاء اليوم الذي قالوا له فيه: «لقد دخل الفساد إلى بيتك».
فقال: «وما شأني؟ ما دامت مصلحتي محفوظة وظهري محميًا، فليحترق ما حولي».
وهنا تنتهي قصة جحا… وتبدأ قصة منطقتنا.
لسنوات طويلة، ظنت بعض الأنظمة الخليجية أن بإمكانها شراء الأمن بالمال، فدفعت مليارات الدولارات للحصول على الحماية الأمريكية، ودخلت في تحالفات وصراعات وحسابات إقليمية، بينما كانت أزمات المنطقة تشتعل من حولها.
كان الاعتقاد بسيطًا: ندفع للولايات المتحدة، فتحمينا… ونترك الآخرين يواجهون مصيرهم.
لكن ماذا يحدث عندما يدخل الحامي نفسه في حرب مباشرة؟
في مواجهة اربعون يوما بين امريكا وإيران، احترقت القواعد ( المظلة الامنية ) والقواعد العسكرية مجرد مظلة أمنية، بل يمكن أن تتحول إلى أهداف مباشرة. وقد شهدت المنطقة بالفعل خلال السنوات الماضية أن القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية ليست محصنة من الهجمات.
وهنا تظهر المفارقة: من دفع ثمن الأمن، قد يكتشف أن الأمن الذي اشتراه لم يكن ملكه أصلًا.
وعندما تهتز المظلة الأمريكية، يبدأ البحث عن مظلة أخرى: مرة من باكستان، ومرة من تركيا، ومرة من تحالفات جديدة.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح:
هل تستطيع الدول التي تبحثون عندها عن الأمن أن تضمن أمنكم وهي نفسها محاطة بالمخاطر؟
باكستان لديها تحدياتها الأمنية والجيوسياسية مع الهند وأفغانستان.
وتركيا تتحرك وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وملفات سوريا والقوقاز والبحر الأسود.
فأي أمن هذا الذي يُشترى من الخارج؟
الأمن الحقيقي لا يُشترى بالمال، ولا يُستأجر من قوة أجنبية، ولا يُبنى على حساب أمن الجيران.
والمشكلة أن بعض الأنظمة لم تتعلم من الدرس الأول؛ فبدل أن تسأل: كيف نطفئ النار؟
تسأل: من سيحمينا من النار؟
لكن التاريخ لا يرحم.
فقد تدفع ثمن سياساتك اليوم بعد سنوات، وقد ترتد عليك الأزمات التي ساهمت في صناعتها أو تمويلها أو تغذيتها.
والحريق عندما يكبر، لا يسأل عن حجم الثروة، ولا عن عدد القصور، ولا عن قوة التحالفات.
الملك لا يدوم، والحماية الخارجية لا تدوم، والثروة لا تشتري الأمان إلى الأبد.
ومن يترك محيطه يحترق معتقدًا أن النار لن تصل إلى بيته، سيكتشف متأخرًا أن النار لا تعرف الحدود التي رسمها حول قصره.
وهذا هو درس جحا الذي لم تتعلمه بعض الأنظمة: لا تستطيع أن تشتري الأمان لنفسك بينما تساهم في صناعة الخوف والخراب من حولك .




