الاثنين - 31 اغسطس 2026

بل أحياء.. الشهيد حسين علي فليح المالكي..!

منذ 6 أيام
الاثنين - 31 اغسطس 2026

انتصار الماهود ||

 

 

 

(الزمن الجميل.. زمن الخير.. زمن الطيبين)
كثيرا ما نسمع هذه الكلمات في هذا الوقت، وهناك من يروج لهذه المفردات ليزينوا سواد الزمن المظلم الذي عاش فيه العراقيون في حقبة البعث، وحتى يومنا هذا لا يزال البعض يحاول تلوين ذلك الزمن بلون جميل، متناسيا ما عاناه العراقيون آنذاك من ويلات الحصار والحروب والظلم.

ومن بين أولئك الذين عاشوا تلك الظروف الشاب حسين
كان حسين شابا متفوقا في دراسته، يحمل طموحا لا حدود له، لكن سنوات الحصار لم تمنحه الفرصة العادلة للنجاح والتقدم. فقسوة الوضع الاقتصادي وغلاء المعيشة جعلته يسلك طريق العمل، فغادر مقاعد الدراسة مجبراً، مثل الكثير من الشباب في عمره، ليتحمل مسؤولية عائلته التي كانت تنظر إلى أبنائها كطوق نجاة في زمن الطوفان.

ولد الشهيد السعيد حسين علي فليح المالكي في الرابع والعشرين من آذار عام 1980 في مدينة الصدر ببغداد. نشأ في كنف أسرة كبيرة مؤمنة وعقائدية، كانت تحث أبناءها على الاهتمام بالدراسة والتسلح بالعلم والمعرفة، فكان حسين من الطلاب المتفوقين دراسياً.

وصل إلى المرحلة الإعدادية، لكن الوضع الاقتصادي الصعب في ظل الحصار أجبره على ترك مقاعد الدراسة والتوجه إلى سوق العمل من أجل إعانة أسرته الكريمة.
زاول عدة أعمال، منها بيع الخضار، وبيع قناني الغاز، وبيع قوالب الثلج، وكانت آخر محطاته في أمانة بغداد.

تخيل أن يتحول طالب ذكي ومجتهد إلى عامل بسيط، فقط من أجل توفير لقمة العيش لعائلته. تلك كانت واحدة من صور الحياة القاسية التي عاشها أبناء ذلك الجيل، حين أصبحت المسؤولية أكبر من أعمارهم، واضطر كثير منهم إلى تأجيل أحلامهم الكبيرة من أجل أسرهم.

تزوج حسين، وكانت له أسرة محبة ضمت ولدين وثلاث بنات، وكان يكرس كل وقته للاهتمام بتربيتهم تربية حسينية أصيلة، وإبعادهم عن جميع المؤثرات التي من الممكن أن تغير عقيدتهم وسلوكهم.

بعد سقوط نظام البعث عام 2003، اتخذ حسين موقفا مشرفا، مثله مثل الكثير من أبناء الوطن الذين رفضوا الاحتلال والخضوع لسيطرته، فانضم إلى صفوف المقاومة الإسلامية والمجاميع الخاصة منذ تأسيسها، ليقاتل مع أبناء المقاومة المحتل.

كانت له صولات يشهد لها التاريخ، وحمل من الشجاعة ما كان يفرض نفسه في الميدان، فكان حاضرا في المواجهات، مؤمنا بما اختاره من طريق.

وفي عام 2008، تلقى حسين خبرا وقع عليه كالصاعقة، وهو استشهاد شقيقه الأصغر حسن، وكانت تلك محطة مؤلمة جدا في حياته، لكنها لم تثنه عن الاستمرار في مقاومة المحتل ومقارعة الإرهاب الطائفي الذي تقوده عصابات القاعدة التكفيرية.

وفي عام 2013، لبى نداء العقيدة وتوجه إلى أرض الشام للدفاع عن حرمة السيدة زينب عليها السلام، وخاض معارك شرسة ضد الإرهاب الداعشي دفاعا عن المقدسات.

في عام 2014، عاد إلى أرض العراق ليلبي نداء المرجعية الدينية العليا في فتوى الجهاد الكفائي، ويقاتل تنظيم داعش الإرهابي، فكان من المقاتلين الأشـداء، كما وصفه أحد إخوته المجاهدين، قائلا إنه كان قاسيا على الأعداء، شديد الحمية على وطنه، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدق أوكار الكفر والإرهاب بقوة حيدرية، استمدها من إيمانه المطلق بعقيدته.
وفي الوقت نفسه، كان متواضعا، طيب القلب، حسن الخلق، محبا لإخوته ومساعدا لهم في كل شيء، وهي من صفات المؤمن المجاهد الحقيقي، الذي كان يتمنى أن يفوز بالشهادة، متأسياً بالإمام الحسين عليه السلام.

في السابع من حزيران عام 2015، كان يوما عاديا في حياته، لم يكن يوم حرب، بل كان يوم إجازة يجلس فيه وسط عائلته المحبة.
اتصل به أحد المجاهدين، وطلب منه مساعدتهم في نقل صواريخ من لواء 24 في أبو غريب إلى قاطع عمليات بيجي، لحاجة المقاتلين الشديدة إليها.

لم يتردد الشهيد حسين ولو للحظة، ولم يفكر في أن ذلك الاتصال قد يكون بداية اللقاء الأخير. ذهب لتلبية النداء، ورافقه عدد من المجاهدين، وفي نهاية ذلك اليوم ارتقى حسين شهيداً.
رحل وبقيت سيرته شاهدة على جيل عاش سنوات صعبة، دفع من عمره ثمنا غاليا، وتخلى عن الكثير من أحلامه وطموحاته التي كان يتمنى تحقيقها.

لم يترك حسين أثرا مكتوبا على الورق فقط، بل ترك أثراً عظيماً في قلوب من عرفه وأحبه. ترك سيرة رجل بدأ حياته طالبا متفوقا، ثم حمل مسؤولية أسرته، وعاش حياته مقاتلا ومجاهدا، حتى ختمها بالشهادة.

فسلام على من كانت تضحياته حاضرة في الوجدان والضمير، وسلام على شهيد علمنا أن الوفاء ليس كلمة، وأن العطاء قد يكون أحيانا أن تمنح حياتك كلها من أجل ما تؤمن به