الاثنين - 05 اكتوبر 2026

العلم الذي لم تعرف البشرية منه إلا حرفين..!

منذ شهر واحد
الاثنين - 05 اكتوبر 2026

سجاد الدخيني ||

 

 

 

حين يخبرنا الإمام الصادق عليه السلام أن العلم سبعة وعشرون حرفا، وأن جميع ما جاءت به الرسل لم يعرف الناس منه إلا حرفين، فنحن أمام رواية لا تتحدث عن زيادة بسيطة في معلومات الإنسان، ولا عن اكتشاف علمي جديد يضاف إلى ما نعرفه اليوم. إنها تضع أمامنا سؤالا أكبر: ما هو هذا العلم الذي جاءت به الرسل، حتى كان ما عرفه البشر منه إلى اليوم حرفين فقط؟

ورد عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام: «العلم سبعة وعشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا».

ولكي نفهم الرواية، علينا أولا أن نفهم عبارة الإمام: «ما جاءت به الرسل». فما الذي جاءت به الرسل أصلا؟

عندما نرجع إلى القرآن نجد أن أصل دعوتهم كان قائما على معرفة الله وتوحيده وعبادته، وتعليم الإنسان ما يحتاج إليه في طريق هدايته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، سورة النحل، الآية 36. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، سورة الأنبياء، الآية 25.

ومن هنا يمكن أن نفهم العلم في الرواية على أنه المعارف الإلهية: معرفة الله، ومعرفة أحكامه، وما يرتبط بهذه المعرفة من حقائق تهدي الإنسان وتكشف له حقيقة وجوده وغاية خلقه وعلاقته بربه. وقد توجد معارف أخرى تتعلق بالإنسان والكون والحياة، لكنها ليست منفصلة عن هذا الأصل، بل يمكن أن تكون مرتبطة بمعرفة الله وآياته وسننه.

ولهذا لا يبدو من الدقيق أن نحصر الحروف الخمسة والعشرين في الطب أو الفيزياء أو التكنولوجيا، فالرواية لم تقل ذلك. كما لا يصح أن نجعل العلم المقصود مجرد تراكم للمعلومات البشرية؛ لأن الإمام ربطه بما جاءت به الرسل، والرسل جاءوا بالوحي والهداية والمعارف الإلهية اي معرفة الله.

وهنا تظهر ملاحظة مهمة جدا في كلام الإمام عليه السلام. فهو لم يقل: «ما جاءت به الأنبياء»، وإنما قال: «ما جاءت به الرسل». فلماذا اختار كلمة الرسل؟ وما الفرق أصلا بين النبي والرسول؟

المشهور في الاصطلاح أن الرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. فالرسول هو الذي يبعثه الله برسالة يبلغها إلى قومه، ويكون له مقام الرسالة بما يحمله من أمر إلهي خاص، أما النبي فقد يوحى إليه ويكون نبيا من غير أن يأتي بشريعة مستقلة، بل قد يحكم ويدعو بشريعة رسول سبقه. كنبي الله هارون مثلاً، وقد جمع القرآن بين اللفظين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، سورة الحج، الآية 52.

ويبقى اختيار الإمام لكلمة «الرسل» جديرا بالتأمل. فإذا كان هناك فرق بين النبي والرسول، فلماذا نسب الإمام هذا العلم إلى الرسل تحديدا؟ وهل لهذا الاختيار علاقة بطبيعة العلم الذي جاءت به الرسالات؟

ومن هنا نحتاج إلى أن نرجع إلى الرسل أنفسهم، وننظر في سيرتهم واحدا بعد آخر، لنرى ماذا جاء كل واحد منهم، وماذا علّم قومه، وما طبيعة المعارف التي حملها إليهم. فدراسة ما جاءت به الرسل لا تعني أننا سنتمكن من معرفة الحروف الخمسة والعشرين، بل الغاية أن نفهم أولا طبيعة الحرفين اللذين عرفت البشرية منهما شيئا.

أما الحروف الخمسة والعشرون، فالرواية نفسها تجعل ظهورها مرتبطا بقيام القائم عليه السلام، إذ يقول الإمام: «فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس». وهذا التعبير يفتح احتمالا مهما: قد تكون هذه المعارف أمورا لم تكن متاحة للبشر أصلا حتى يأتي الإمام فيخرجها ويبثها في الناس. ولذلك فإن محاولة تحديدها اليوم، وتسميتها بأسماء علوم نعرفها، تبقى مجرد تخمين لا دليل عليه من الرواية.

إذن يمكن أن نصل في هذه المرحلة إلى خلاصة بسيطة: العلم في هذه الرواية هو المعارف الإلهية، معرفة الله ومعرفة أحكامه وما يرتبط بهما من حقائق تهدي الإنسان وتكشف له حقيقة نفسه والكون وغاية وجوده. وأما ما وراء ذلك، وما تمثله الحروف الخمسة والعشرون، فذلك أمر أخبرنا الإمام أنه سيظهر على يد القائم عليه السلام.

ولهذا يبقى السؤال مفتوحا: إذا كانت الرسل قد جاءت بهذه المعارف الإلهية، فما الذي عرفه الناس منها؟ وما الذي بقي خارج دائرة معرفتهم؟ ولماذا قال الإمام الصادق عليه السلام إن البشرية لم تعرف إلا حرفين؟ ربما لا نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة من رواية واحدة، وإنما نحتاج إلى أن نعود إلى الرسل واحدا بعد آخر، وننظر في سيرتهم وما جاءوا به، ثم نترك للروايات أن تقودنا إلى ما يمكن أن نفهمه من هذه الرواية العميقة.