الاثنين - 31 اغسطس 2026
منذ أسبوع واحد
الاثنين - 31 اغسطس 2026

حسن عبد الهادي زاير العڰيلي
كاتب وباحث في الشأن السياسي

 

 

 

في مساء الثامن عشر من تموز عام 1990، وفي الساعة السابعة تحديداً، لم يكن حبل المشنقة يُعدم رجلاً بعينه، بل كان يُعدم حلمنا بالعراق الذي طالما انتظرناه. حسن مطلك، الروائي الشاب الذي لم يتجاوز التاسعة والعشرين، لم يُقتل لأنه حمل سلاحاً، بل لأنه حمل حلماً، وهذا وحده كان جرماً لا يُغتفر في زمن كانت فيه الأحلام تُحاكَم قبل أن تُحاكَم الأفعال. لم يكن النظام البعثي يخشى الرصاصة بقدر ما كان يخشى الكلمة، ولم يكن يرتجف من دبابة بقدر ما كان يرتجف من روائي شاب يكتب عن “شاهين” ليقول للعالم إن هذا الوطن يستحق أكثر من الصمت.
وُلد حسن في قرية سديرة الوادعة على ضفاف دجلة، تلك القرية الريفية التي أنجبت أيضاً النقيب سطم غانم الجبوري، ضابط الحرس الجمهوري الذي خطط، بمعية رفاقه من ضباط عشيرة الجبور، لإسقاط نظام صدام حسين في السادس من كانون الثاني عام 1990، أثناء الاستعراض العسكري السنوي بذكرى تأسيس الجيش. كانت الخطة، بحسب ما تسرّب لاحقاً من تفاصيل، أن تُطلق الدبابات والأسلحة الآلية المشاركة في الاستعراض نيرانها على المنصة الرئيسية حيث يقف صدام وقيادات حزبه، على غرار ما جرى لأنور السادات في منصة الاستعراض المصري. ولم يكن حسن مطلك بعيداً عن هذا الحلم فقد كان من المقرر، لو كُتب للحركة النجاح، أن تُناط به المؤسسات الثقافية والإعلامية، هو الأديب الذي آمن أن حرب الأديب ضد السلطة هي حرب دائمة.
لكن الحظ أو الغدر، أو ضعف نفسٍ في اللحظة الأخيرة، أطاح بالحلم قبل أن يُولد. اعتُقل سطم الجبوري في الثاني من كانون الثاني قبل أيام من موعد التنفيذ، واعتُقلت معه مجموعة كبيرة من الضباط والمثقفين، وامتدت يد الأجهزة الأمنية لتطال حسن مطلك، فزُجّ به في غياهب التحقيق، وصدر بحقه، كما بحق رفاقه، حكم الإعدام. ومنذ تلك اللحظة، وحتى يوم إعدامه شنقاً، لم يكن حسن يكتب استجداءً للرحمة، بل ظل ساخراً من الموت نفسه، حتى إنه رد ذات مرة على ضابط طلب منه الكف عن “القصص التافهة” بقوله إن قرار إعدامه أسهل من هذا الطلب الذي جاء بصيغة الأمر.
هذه هي وحشية الأنظمة الشمولية في أقسى تجلياتها أنها لا تكتفي بقتل من يحمل السلاح ضدها، بل تمتد يدها لتقتل من يحمل القلم، ومن يحلم فقط، ومن يُشتبه في أنه قد يحلم. لقد أعدم النظام البعثي في تلك الموجة عشرات الضباط والمثقفين من أبناء عشيرة الجبور وغيرهم، في محاولة يائسة لاجتثاث فكرة التغيير من جذورها، ولإرسال رسالة دموية مفادها أن لا أحد، مهما علت رتبته العسكرية أو سما قلمه الأدبي، يملك الحق في أن يحلم بعراق مختلف.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، كلما استُعيدت هذه المأساة، هو: ماذا لو نجحت حركة النقيب سطم الجبوري؟ ماذا لو سقط صدام حسين في ذلك الصباح الشتائي من كانون الثاني 1990، قبل أشهر فقط من أن يزحف بدباباته نحو الكويت؟ لقد كان العراق، في تلك اللحظة بالذات، على مشارف منعطف كان يمكن أن يغيّر مصير الأمة بأسرها. فلو نجحت تلك المحاولة، لكان غزو الكويت في آب 1990 قد أُجهض قبل أن يبدأ، ولما كان هناك حصار اقتصادي خانق استمر ثلاثة عشر عاماً، حوّل شعباً بأكمله من أمة تملك أعرق حضارات الأرض إلى أمة تبيع أثاث بيوتها وكتب مكتباتها من أجل كسرة خبز. ولما اضطر آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين إلى ترك مهنهم والعمل في أي شيء يسد الرمق، ولما فقد مئات آلاف الأطفال العراقيين أرواحهم بسبب نقص الأدوية والحليب في ظل عقوبات كانت عقاباً جماعياً لشعب لم يُستشر يوماً في قرارات حاكمه المطلق. ولربما لما احتجنا، بعد كل ذلك، إلى غزو أجنبي عام 2003 لتحرير العراق من سطوة رجل واحد، بكل ما رافق ذلك الغزو من فوضى وتمزق ما زال العراق يعاني منه إلى اليوم.
هذه هي الفرصة الضائعة التي يُختزل رمزها في مصير حسن مطلك لحظة كان يمكن أن تُنقذ فيها مجموعة من الضباط الشجعان والمثقفين الأحرار وطناً بأكمله من عقود من المآسي المتراكمة، فأُجهضت بضربة حظ عاثر، ودُفع ثمنها دماً على حبال المشانق. لقد أراد حسن مطلك ورفاقه عراقاً ديمقراطياً حراً، عراقاً لا يُقاس فيه ولاء المواطن بمدى خضوعه، بل بمدى حبه لوطنه، فكان جزاؤهم الإعدام، وكان جزاء العراق كله ما تلا ذلك من غزو وحصار وانهيار.
ولذلك، حين يصف بعض المثقفين حسن مطلك بـ”لوركا العراقي”، تخليداً لتقاطع مصيره المأساوي مع مصير الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا الذي أعدمته كتائب الفاشية الإسبانية عام 1936، فإنهم لا يستعيرون فقط صورة الإعدام، بل يستعيرون أيضاً صورة الكلمة التي تُخيف الطغاة أكثر مما تخيفهم البنادق. لقد كتب حسن في “دابادا” أن الموت ظلمة هادئة جداً، لكنه، بموته، أورث العراقيين ضجيجاً لا يهدأ من الأسئلة: كم من مآسٍ كان يمكن تفاديها؟ وكم من أحلام أُعدمت قبل أن تُتاح لها فرصة الحياة؟ تبقى دابادا صرخة في وجه النسيان، وتبقى سيرة حسن مطلك شاهداً على أن الاستبداد، حين يخشى القلم، إنما يعترف ضمناً بأن الكلمة أقوى من كل اجهزته القمعية.