الأربعاء - 19 اغسطس 2026
منذ ساعة واحدة
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

لم يكن إختيار السيد محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني لعبارة «النظام الإقليمي الجديد» من بغداد عابراً؛ فالرجل وصل إلى العراق في لحظة تتقاطع فيها ملفات شديدة الحساسية منها : مستقبل العلاقة العراقية–الأمريكية، حصر السلاح بيد الدولة، وضع الفصائل، أمن الحدود، ومستقبل التوازن بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة.

تؤكد التقارير أن أجندة الزيارة تتجاوز الإطار البرلماني إلى ملفات أمنية وسياسية أوسع، والأعمق في الرسالة الإيرانية أن طهران تبدو وكأنها تتعامل مع المنطقة بإعتبارها دخلت مرحلة إعادة توزيع للأدوار والنفوذ، لذلك تريد أن يكون العراق، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي وعلاقاته مع واشنطن وطهران والعواصم العربية، جزءاً من صياغة هذه المرحلة، لا مجرد ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية.

هنا تحديداً تكتسب العلاقة مع بغداد أهمية إستثنائية؛ فقاليباف وصفها بأنها ركيزة أساسية في صياغة النظام الإقليمي الجديد، بالتزامن مع حديثه عن الأمن الذاتي والمشترك بين البلدين.

لكن ماذا تريد إيران من العراق؟ في تقديري، تريد طهران ثلاثة أشياء في وقت واحد:
أولاً: ضمان ألا يتحول العراق إلى منصة ضغط أو عمل عسكري ضد إيران بعد إعادة ترتيب الوجود الأمريكي.
ثانياً: الحفاظ على نفوذها السياسي والأمني داخل العراق، ولكن بصيغة أكثر قابلية للإستمرار وأقل إستفزازاً للولايات المتحدة.
ثالثاً: الوصول إلى صيغة بشأن الفصائل والسلاح لا تؤدي إلى مواجهة داخلية عراقية، ولا إلى خسارة إيران لأحد أهم أوراق قوتها الإقليمية.

وهنا يصبح حديث قاليباف عن «المقاومة العراقية» بالغ الدلالة؛ فهو لم يتعامل معها بإعتبارها ظاهرة يجب إنهاؤها، بل وصفها بأنها أصبحت جزءاً من القوة الوطنية والإقليمية.

وهذا يعني أن المشكلة الحقيقية ليست هل ستقبل إيران بحصر السلاح، وإنما كيف سيتم تعريف السلاح الذي سيُحصر، وكيف سيعاد تنظيم دور الفصائل داخل الدولة العراقية، وهذه برأيي ستكون إحدى أهم النقاط التي ستُناقش خلف الأبواب المغلقة.

الزيدي أمام إختبار صعب؛ فزيارة قاليباف تضع حكومة علي فالح الزيدي أمام إختبار دقيق: هل يستطيع العراق أن يقنع إيران بأن سيادة الدولة وحصر السلاح لا يعنيان إستهداف إيران أو إقصاء القوى القريبة منها؟ وفي المقابل، هل تستطيع بغداد إقناع واشنطن بأن تنظيم السلاح وإنهاء العمل المسلح خارج قرار الدولة يمكن أن يتحقق من دون الدخول في مواجهة عسكرية مع الفصائل؟

إذا نجح الزيدي في إنتاج هذه المعادلة، فقد يكون العراق أمام فرصة تأريخية وهي: الإنتقال من دولة تتلقى تأثيرات النظام الإقليمي إلى دولة تشارك في صياغته، أما إذا فشلت المعادلة فقد يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة إختبار بين المشروعين الأمريكي والإيراني.

لهذا أعتقد أن عبارة قاليباف يمكن أختصارها بجملة واحدة: إيران لا تأتي إلى بغداد فقط لتبحث مستقبل العلاقة مع العراق؛ إنها تريد أن تعرف موقع العراق في النظام الإقليمي الذي يتشكل الآن، والأهم: هل سيكون العراق جزءاً من المعادلة الإيرانية–الإقليمية، أم سيختار أن يكون دولة متوازنة تمسك قرارها الأمني والسياسي بيدها؟
وهنا تكمن أهمية الأيام الثلاثة لزيارة قاليباف؛ فالنتائج الحقيقية لن تظهر في البيانات الرسمية، وإنما في ما سيحدث بعد الزيارة في ملفات السلاح، والفصائل، وأمن الحدود، والعلاقة مع واشنطن.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع