هل ورطّ ترامب أمريكا بحرب كلية خاسرة أم ورطّها بحرب أستنزافية؟!
الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

يمكن للاعلام الامريكي والصهيوني أخفاء حجم الدمار والخسائر لفترة قصيرة لكنهم لايمكن حجبها وأخفائها طولاً كما لايمكن حجب الشمس بالغربال ، فالخسائر في كل المجالات اكبر من ان تخفى او ان يتم التستر عليها .
لا يمكن الحسم بصورة قطعية بأن واشنطن خسرت الحرب بمفهوم الهزيمة العسكرية الشاملة، لكن القراءة الإستراتيجية لمسار الصراع تشير إلى أن واشنطن وجدت نفسها في “مأزق استنزافي” معقد.
تراوحت المعادلة بين قدرة أمريكية على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والعسكرية الإيرانية، وبين نجاح طهران في تحويل المواجهة إلى “حرب استنزاف غير متناظرة” كبدت الإدارة الأمريكية أثماناً سياسية واقتصادية وإستراتيجية باهظة.
أولاً: معضلة الإستراتيجية وتضارب الأهداف
تكمن الإشكالية الكبرى في إدارة إدارة ترامب للمواجهة في غياب إستراتيجية خروج (Exit Strategy) واضحة ومحددة المعالم:
تغيّر السقف السياسي: تأرجحت الخطابات المعلنة بين “الحصار المائي الشامل” والسيطرة على المعابر البحرية كمضيق هرمز، وبين محاولة فرض “استسلام غير مشروط” أو دفع طهران لطاولة مفاوضات بشروط واشنطن الكاملة.
الصدام مع عقيدة “الردع غير المتناظر”: اعتمدت طهران على استغلال جغرافيتها، والشبكات الإقليمية، واستنزاف القطع البحرية الأمريكية (مثل انتشار حاملات الطائرات في بيئة تشغيلية معقدة ومكلفة)، مما حول الحشد العسكري من أداة ضغط حاسمة إلى هدف عالي الكلفة.
ثانياً: كلفة الاستنزاف العسكري واللوجستي
تجلّت ملامح التورط الأمريكي في عدة أبعاد سينمائية ولوجستية:
ضغوط الانتشار الطويل: واجهت القطع البحرية الأمريكية وحاملات الطائرات في المنطقة إنهاكاً لوجستياً وضغوطاً على أطقمها، وهو ما ظهر في تقارير صحفية غربية تناولت كلفة الإبقاء على استنفار عسكري طويل الأمد دون حسم سريع.
حرب التكاليف المتبادنة (Cost-Imposition): استخدام واشنطن للذخائر الذكية والصواريخ عالية التكلفة لصد التهديدات الإيرانية منخفضة الكلفة (كالطائرات المسيرة والزوارق السريعة) أوجد خللاً في ميزان التكلفة والعائد لصالح إيران.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية
تأمين الملاحة وأسواق الطاقة: رغم التصريحات الأمريكية بالسيطرة الإقليمية، فإن حالة عدم الاستقرار الملاحي في مضيق هرمز وممرات الخليج أدت إلى اضطرابات متكررة في سلاسل الإمداد العالمية وأسواق النفط، مما ألقى بظلاله على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي.
العزلة الدبلوماسية للتدخل المنفرد: تسببت السياسات الأحادية في إضعاف التنسيق التلقائي مع حلفاء واشنطن التقليديين، الذين يفضلون غالباً استقرار أسواق الطاقة وتجنب اندلاع حرب استنزاف واسعة النطاق في الشرق الأوسط.
رابعاً: الضغط الداخلي والجدل السياسي في واشنطن
شهدت الساحة السياسية والإعلامية الأمريكية انقساماً حاداً حول نتائج المواجهة:
الانتقادات السياسية: اعتبر المعارضون أن الدخول في مواجهة مفتوحة دون رؤية يوم تالٍ (Day After) أعاد تكرار أخطاء التدخلات الأمريكية السابق في المنطقة، مما أضر بصورة “الردع الأمريكي الحاسم”.
البحث عن مخرج تفاوضي: أدى التكلفة المتزايدة وتراجع هامش المناورة إلى دفع واشنطن نحو محاولة إعادة تسويق المسار التفاوضي وتخفيف حدة المواجهة لتجنب حرب طويلة الأمد قد تؤثر مباشرة على الاستحقاقات الانتخابية الداخلية.
خلاصة:
لم تُهزم الولايات المتحدة عسكرياً بمعناها التقليدي، لكنها وقعت في فخ المواجهة غير المتكافئة؛ حيث استطاعت إيران نقل الصراع إلى ميدانها المفضل وهو “الاستنزاف البطيء وتكتيكات التكاليف المتبادلة”، مما جعل استمرار الحرب بالنسبة لإدارة ترامب خياراً مكلفاً وسياسياً غير مستدام.
نعم، تُجمع الأوساط التحليلية والعسكرية على أن إدارة ترامب انزلقت بالفعل إلى “حرب استنزاف مفتوحة” مع طهران، بعد تحول العمليات من الضربات خاطفة الأهداف إلى مواجهة معقدة وممتدة حول الملاحة والذخائر.
ورغم التفوق العسكري الكاسح لواشنطن، إلا أن الميدان أفرز معادلة استنزافية صعبة للجانب الأمريكي تتمثل في المحاور التالية:
استنزاف مخزونات التسليح: استهلكت القوات الأمريكية مئات الصواريخ عالية التكلفة (مثل Patriot وTHAAD وTomahawk) لصد مسيّرات وصواريخ إيرانية رخيصة التكلفة؛ مما دفع البنتاغون للضغط على الشركات الدفاعية لتسريع الإنتاج لمواجهة النقص الحاد.
فخ مضيق هرمز والاقتصاد: تحول إغلاق إيران واستهدافها حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أزمة طاقة وتضخم عالمية، مما نقل هدف واشنطن المعلن من “إسقاط النظام أو تفكيك قدراته” إلى مجرد محاولة إعادة فتح المضيق الملاحي.
غياب إستراتيجية الخروج (Exit Strategy): واجهت واشنطن صعوبة في ترجمة المكاسب التكتيكية الأولى إلى حسم سياسي، ليدخل الطرفان في حرب شروط تفاوضية ومواجهة اقتصادية واستراتيجية طالت أمدها دون رؤية لـ “اليوم التالي”.
تتلخص أبعاد هذا الاستنزاف وأبرز محاوره ومؤشراته الإستراتيجية في عدة نقاط مفصلية:
1. الخلل في معادلة الكلفة (Cost-Imposition)
التكلفة المالية الباهظة: بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية عشرات المليارات في غضون أسابيع قليلة، حيث اضطرت إدارة ترامب لطلب ميزانيات دفاعية إضافية ضخمة من الكونغرس لتمويل العمليات الممتدة.
الفارق في سعر التسليح: أنفقت القوات الأمريكية صواريخ اعتراضية عالية التكلفة (مثل Patriot وTHAAD وStandard Missile-6 وتصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى ملايين الدولارات) لصد هجمات إيرانية تُنفذ بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية منخفضة التكلفة نسبياً.
2. أزمة المخزون العسكري للبنتاغون
تآكل الرصيد الإستراتيجي: أطلقت الولايات المتحدة مئات الصواريخ الذكية والإستراتيجية (مثل Tomahawk) في الأسابيع الأولى، مما أدى إلى تراجع حاد في مخزون الدفاع الجوي الأمريكي في المنطقة.
الضغط على سلاسل الإمداد: دفع هذا الاستنزاف وزارة الدفاع الأمريكية إلى الضغط على شركات الصناعات العسكرية لتسريع خطوط الإنتاج، بل واضطر واشنطن لإعادة نشر منظومات دفاعية من مناطق أخرى (مثل أوروبا وآسيا) لسد الفجوة في الشرق الأوسط.
3. حرب الطاقة والمعابر البحرية
فخ مضيق هرمز: اتخذت طهران من تعطيل واستهداف حركة الملاحة في المضيق ورقة ضغط رئيسية، مما أدى إلى أسرع قفزة في أسعار النفط والغاز العالمية واضطراب سلاسل التوريد.
انحراف الأهداف: تحول الهدف الأمريكي الإستراتيجي من السيطرة السريعة أو فرض الاستسلام إلى العمل على تأمين المرور الملاحي وتجنب صدمات توريد الطاقة العالمية.
4. الضغوط السياسية والداخلية في واشنطن
غياب إستراتيجية “اليوم التالي”: واجهت إدارة ترامب انتقادات واسعة داخل الساحة الأمريكية بسبب غياب خطة خروج عسكرية حاسمة وتأرجح الأهداف بين الخنق الاقتصادي وتغيير سلوك النظام أو ضرب بنسب محددة.
الانقسام الداخلي: أثار حجم الإنفاق والجمود العسكري تحفظات في الكونغرس، لا سيما مع المخاوف من انعكاس التضخم وأسعار الوقود على الاقتصاد الداخلي والاستحقاقات الانتخابية.
النتيجة:
تحول الصراع من مواجهة حاسمة وسريعة إلى سباق صمود ونفس طويل؛ استطاعت فيه طهران امتصاص الضربات الأولى وتحويل المواجهة إلى ميدان تكتيكات التكلفة المتبادلة (Asymmetric Attrition)، مما أوجد واقعاً معقداً ومكلفاً أمام واشنطن.




