الاثنين - 17 اغسطس 2026

الجنوب بين نار إسرائيل وصمت الضامنين… من يرسم الخريطة بالنار؟!

منذ 5 دقائق
الاثنين - 17 اغسطس 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم تعد المسألة في جنوب لبنان مجرد خرق إسرائيلي جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا مجرد غارة أخرى تُضاف إلى سجل طويل من الاعتداءات. ما جرى في أنصار، وما رافقه من استهداف لتلة علي الطاهر ودير الزهراني والنبطية ومناطق أخرى، يفرض سؤالاً أكبر بكثير: ماذا تريد إسرائيل من الجنوب الآن، ولماذا تصعّد في اللحظة التي يفترض أن تكون فيها لغة المفاوضات هي اللغة السائدة؟

في أنصار سقط سبعة لبنانيين، بينهم أطفال ونساء، في غارة على منزل عند أطراف البلدة، بينما ارتفعت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية في ذلك اليوم إلى 11 شهيداً و19 جريحاً بحسب المعطيات التي أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية.

هذه ليست أرقاماً في نشرة أخبار. إنها عائلات وبيوت وحياة مدنية تُدفع مرة أخرى إلى قلب المعادلة العسكرية. والأخطر أن إسرائيل تفعل ذلك بينما تقول واشنطن إن هناك مساراً تفاوضياً قائماً، ولبنان يتحدث عن انسحاب إسرائيلي وترتيبات للجنوب.

فأي اتفاق هذا الذي يُكتب بالحبر في روما ويُمحى بالنار في أنصار؟

علي الطاهر… لماذا هذه التلة بالذات؟

ربما يكون استهداف علي الطاهر أكثر دلالة من كثير من الغارات الأخرى.

تلة علي الطاهر ليست مجرد مرتفع جغرافي. موقعها يمنحها قيمة إشرافية واسعة على أجزاء من النبطية وإقليم التفاح وممرات الجنوب، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح من يمسكها قدرة أكبر على المراقبة والتحكم بالنار والحركة.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط: لماذا قصفت إسرائيل علي الطاهر؟

السؤال الأدق هو: لماذا تريد إسرائيل أن تجعل من علي الطاهر جزءاً من معادلة الجنوب المقبلة؟

لقد حاولت إسرائيل، في مراحل مختلفة من الحرب، تثبيت وجودها في مواقع مرتفعة وحساسة. لكن السيطرة الدائمة على هذه النقاط ليست مسألة سهلة، لأن الجغرافيا الجنوبية لا تُقرأ بالخرائط وحدها؛ فكل تلة لها ما حولها، وكل وادٍ يفتح على آخر، وكل موقع مكشوف يمكن أن يتحول إلى عبء على القوة التي تحتله.

ولهذا فإن إصرار إسرائيل على هذه النقاط قد يعني أنها لا تبحث فقط عن «منطقة عازلة» بالمعنى التقليدي، بل عن عمق أمني قابل للمراقبة والسيطرة بالنار.

وهنا يصبح علي الطاهر جزءاً من سؤال أكبر: هل تريد إسرائيل الانسحاب من الجنوب فعلاً، أم تريد الانسحاب من بعض النقاط مع الاحتفاظ عملياً بمفاتيح الحركة والسيطرة؟

وأين ذهبت مفاوضات روما؟

هذه هي المفارقة الكبرى.

منذ اتفاق الإطار الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي في 26 حزيران، جرى الحديث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي، وعن «مناطق تجريبية» يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها، على أن تتوسع العملية تدريجياً.

ثم جاءت جولات روما التي بحثت توسيع هذه المناطق، وتسوية القضايا الحدودية، وآليات الانسحاب. وفي الخامس من آب بقي الخلاف الأساسي قائماً حول سلاح حزب الله وشروط الانسحاب الإسرائيلي.

واليوم، بعد أيام قليلة، تقصف إسرائيل المناطق التي يفترض أن تكون جزءاً من مسار التهدئة.

فأين أصبحت روما؟

وهل تحولت المفاوضات إلى مجرد وسيلة لإدارة الوقت، فيما تُستكمل عملية فرض الوقائع على الأرض؟

وماذا عن إسلام آباد؟

هنا علينا ألا نخلط بين المسارين.

اتفاق إسلام آباد هو في الأساس جزء من التفاهم الأميركي–الإيراني الذي كان يفترض أن يفتح نافذة لخفض التصعيد الإقليمي. وقد أُريد له، لبنانياً وإيرانياً، أن تكون له انعكاسات على الساحة اللبنانية، بينما أصرت إسرائيل على فصل الملف اللبناني عن ذلك المسار والاحتفاظ بحرية العمل العسكري في لبنان.

وهذا تحديداً هو أصل المشكلة.

من يضمن أن الاتفاقات الأميركية تُطبَّق على إسرائيل؟

إذا كانت واشنطن هي الراعي والوسيط والضامن، ثم تُقصف أنصار وتُستهدف علي الطاهر وتُستكمل عمليات التفجير والهدم في الجنوب، فما قيمة الضمانة الأميركية إن لم تتحول إلى التزام إسرائيلي؟

الضامن الحقيقي ليس من يوقع الورقة، بل من يستطيع إجبار الطرف الأقوى عسكرياً على احترامها.

وهنا تبدو واشنطن أمام اختبار حقيقي.

لماذا تصعّد إسرائيل الآن؟

هناك أكثر من تفسير، وربما كلها تعمل في الوقت نفسه.

أولاً، تريد إسرائيل تحسين موقعها التفاوضي بالنار. فكلما تقدمت ميدانياً، دخلت إلى طاولة التفاوض وهي تملك أوراقاً إضافية.

ثانياً، قد تكون تريد اختبار حدود ضبط النفس لدى حزب الله وإيران: إلى أي مدى يمكنها أن تقتل وتضرب وتحتل من دون أن يأتي الرد؟

ثالثاً، تريد تثبيت فكرة أن أي انسحاب إسرائيلي لن يكون انسحاباً كاملاً وبسيطاً، بل انسحاباً مشروطاً بترتيبات أمنية طويلة الأمد.

ورابعاً، لا يمكن تجاهل العامل الإسرائيلي الداخلي. بعض التحليلات ربطت التصعيد بحسابات سياسية وانتخابية إسرائيلية، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى إظهار أنه لا يقدم تنازلات أمنية.

لكن هناك احتمالاً خامساً أكثر خطورة: أن تكون إسرائيل تختبر الأرض قبل المرحلة المقبلة من التفاوض.

أي أنها لا تريد حرباً شاملة بالضرورة، لكنها تريد أن تعرف أين تستطيع أن تذهب، وماذا يستطيع لبنان أن يتحمل، ومتى يرد حزب الله، وماذا ستفعل إيران، وأين تقف واشنطن.

وهل تحاول إسرائيل جرّ المقاومة إلى مواجهة؟

نعم، هذا احتمال لا يجوز إسقاطه.

فالضربات المتتالية، واستهداف قيادات أو مواقع حساسة، وسقوط المدنيين، كلها تضغط على المقاومة باتجاه الرد.

لكن في المقابل، يبدو أن حزب الله وإيران يدركان أن الرد في اللحظة التي تختارها إسرائيل قد يعني الدخول في الحرب بالشروط الإسرائيلية.

ومن هنا يمكن تفسير الصمت أو ضبط النفس لا بوصفه عجزاً بالضرورة، بل بوصفه محاولة لمنع إسرائيل من اختيار توقيت المعركة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يمكن ضبط النفس عندما يصبح الدم اللبناني هو الثمن؟

هذه هي العقدة التي تراهن عليها إسرائيل.

إلى أين الجنوب؟

لا أعتقد أن الجنوب ذاهب، في المدى القريب، إلى تسوية نهائية.

الأرجح أننا أمام مرحلة عضّ أصابع طويلة: إسرائيل تضغط بالنار، لبنان يضغط بالدبلوماسية، واشنطن تحاول إدارة المسارين، والمقاومة تراقب ولا تريد أن تمنح إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها.

لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

فالخطر الحقيقي ليس فقط أن تقع حرب جديدة، بل أن تتحول «المنطقة المؤقتة» إلى حدود أمنية دائمة، وأن يصبح الاحتلال الإسرائيلي أمراً واقعاً يجري التفاوض لاحقاً على تفاصيله بدلاً من مبدأ إنهائه.

وهنا يجب أن يكون السؤال اللبناني واضحاً:

إذا كانت إسرائيل قد وافقت على الانسحاب، فلماذا تستمر في القتل والهدم والتفجير؟ وإذا كانت الولايات المتحدة ضامنة، فلماذا لا توقف إسرائيل؟ وإذا كانت روما تفاوض على الانسحاب، فلماذا تُستكمل الوقائع العسكرية على الأرض؟

ماذا قد يأتي بعد ذلك؟

أمامنا، في تقديري، ثلاثة احتمالات.

الأول: احتواء التصعيد عبر ضغط أميركي يعيد إسرائيل إلى طاولة التفاوض ويمنع توسيع المواجهة.

الثاني: تصعيد مضبوط يستمر فيه القصف والاغتيالات والعمليات الموضعية من دون الوصول إلى حرب شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب.

والثالث، وهو الأخطر: أن تنجح إسرائيل في استفزاز رد كبير، فتنتقل المنطقة من لعبة الضغط المتبادل إلى مواجهة مفتوحة، وعندها لن تبقى روما ولا إسلام آباد ولا أي ورقة تفاوضية قادرة على التحكم بمسار الأحداث.

لقد أصبح الجنوب اليوم مختبر المرحلة المقبلة كلها.

أنصار ليست حادثة منفصلة. وعلي الطاهر ليست مجرد تلة. وروما ليست مجرد مدينة تفاوض. وإسلام آباد ليست مجرد اتفاق بعيد عن لبنان.

كل هذه الخيوط تلتقي هنا، على أرض الجنوب.

والسؤال الذي سيجيب عنه الأسبوعان المقبلان ليس فقط: هل سترد المقاومة؟

بل السؤال الأعمق:

هل تستطيع الدبلوماسية أن تنتزع الجنوب من يد النار قبل أن تنجح النار في رسم خريطته الجديدة؟

فالجنوب لا يحتاج إلى ضمانات على الورق فقط. يحتاج إلى طرف قادر على تنفيذها.

وإلا فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مقدمة لحرب جديدة فقط، بل مقدمة لجنوب جديد تُرسم حدوده الأمنية بالنار قبل أن تصل المفاوضات إلى الخريطة

والثالث، وهو الأخطر: أن تنجح إسرائيل في استفزاز رد كبير، فتنتقل المنطقة من لعبة الضغط المتبادل إلى مواجهة مفتوحة، وعندها لن تبقى روما ولا إسلام آباد ولا أي ورقة تفاوضية قادرة على التحكم بمسار الأحداث.

لقد أصبح الجنوب اليوم مختبر المرحلة المقبلة كلها.

أنصار ليست حادثة منفصلة. وعلي الطاهر ليست مجرد تلة. وروما ليست مجرد مدينة تفاوض. وإسلام آباد ليست مجرد اتفاق بعيد عن لبنان.

كل هذه الخيوط تلتقي هنا، على أرض الجنوب.

والسؤال الذي سيجيب عنه الأسبوعان المقبلان ليس فقط: هل سترد المقاومة؟

بل السؤال الأعمق:

هل تستطيع الدبلوماسية أن تنتزع الجنوب من يد النار قبل أن تنجح النار في رسم خريطته الجديدة؟

فالجنوب لا يحتاج إلى ضمانات على الورق فقط. يحتاج إلى طرف قادر على تنفيذها.

وإلا فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مقدمة لحرب جديدة فقط، بل مقدمة لجنوب جديد تُرسم حدوده الأمنية بالنار قبل أن تصل المفاوضات إلى الخريطة.