الجمعة - 14 اغسطس 2026

موضوع مهم جدا.. حقيقة “وقف أوده” ومزاعم التمويل البريطاني للحوزة..؟!

منذ 15 دقيقة
الجمعة - 14 اغسطس 2026

✍️ كندي الزهيري ||

 

 

 

بسبب الجهل وعدم تقصي الحقائق،فإن المجتمع يعمل على إعادة النشر دون وعي ، وبسبب سياسة الجهل (النسخ والصغ)، يصبح كل ما يقوله الآخرين حقيقة لا شك فيها ، وهو جهل وعمى مطبق .

تُثار بين الحين والآخر على منصات التواصل الإجتماعي ، شبهات ومغالطات تستهدف المرجعية الدينية والحوزة العلمية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، مستندة إلى وثائق بريطانية قديمة (مثل التقرير الدبلوماسي المرقم 1187 والصادر في 15 نوفمبر 1913 عن المقيم السياسي البريطاني في بغداد “ج. أو. لوريمر”).

تظهر في هذه الوثائق قوائم بأسماء “علماء ومجتهدين” يستلمون أموالاً بإشراف بريطاني. ورغم أن الوثيقة صحيحة كأثر تاريخي محفوظ في الأرشيف البريطاني (تحت الرمز المرجعي IOR/L/PS/10/372)، إلا أن قراءتها وتفسيرها يجريان بشكل مجتزأ ومضلل وممنهج ، يوحي بأن بريطانيا هي من أسست الحوزة أو موّلتها من خزانتها. والحقيقة التاريخية القاطعة تكشفها قصة “وقف أوده” ، التي نوضح تفاصيلها الكاملة، المالية والفقهية والسياسية، في هذا المقال .

أن الأموال المذكورة في الوثيقة لم تكن من خزينة الحكومة البريطانية، ولا من أموال دافعي الضرائب في لندن، بل هي أموال إسلامية ( شيعية) هندية خالصة، تعود القصة إلى عام 1825 م، حيث كانت مملكة “أوده” الواقعة في شمال الهند مملكة إسلامية شيعية ثرية جداً، وكان حكامها (المعروفون بالنواب) ، يملكون ارتباطاً روحياً عميقاً بالعتبات المقدسة في (العراق).

في ذلك العام، قام شاه أوده “غازي الدين حيدر” بإيداع مبلغ ضخم جداً تقدر بملايين الروبيات الهندية كقرض دائم لدى شركة الهند الشرقية البريطانية (التي كانت تسيطر على التجارة والإقتصاد في الهند آنذاك).

واشترط الشاه في صيغة الوقف القانونية الملزمة أن تقوم الشركة (ومن يحل محلها قانوناً)، بدفع فائدة سنوية ثابتة بنسبة 5% من هذا المبلغ، وتخصيص هذه الأرباح لفقراء وزوار وطلاب ومجتهدي مدينتي النجف وكربلاء.

وعندما احتلت بريطانيا الهند بالكامل وأنهت حكم سلالة أوده عام 1856 م، ورثت الحكومة البريطانية هذا الإلتزام المالي والقانوني، وأصبحت بموجب القانون الدولي مجرد “وصي إداري” أو “ساعي بريد مالي” مجبر على إيصال الأرباح السنوية لأصحابها في العراق.لتوضيح حجم النفوذ المالي والمسار التاريخي لهذه الأموال، تجدر الإشارة إلى الأرقام والتحولات التالية: بدأ الوقف بفوائد سنوية تُقدر بحوالي 60 ألف روبية هندية في القرن التاسع عشر، ومع مرور العقود وتراكم بعض الأصول وإعادة التقييم، تضاعفت هذه المبالغ لتمثل عصب حماية للمعيشة والمدارس الدينية المخصصة للفقراء، والذين انعزلوا عن أي دعم حكومي عثماني،و أستمر الإلتزام البريطاني بنقل هذه الأموال الوقفية لعقود طويلة.

ولكن بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 م، تضاءل هذا النفوذ الإداري البريطاني تدريجياً. وفي أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات من القرن العشرين، ومع استقلال الهند وانفصال باكستان، جرت تسويات مالية وقانونية نقلت الإشراف القانوني على هذه الأصول الوقفية إلى جهات محلية تابعة لوزارة الأوقاف، لينتهي الدور البريطاني تماماً بصيغته القديمة، وتتحول الأصول المتبقية إلى إدارة حكومية محلية وأوقاف إسلامية عامة…

وكان العراق في مطلع القرن العشرين يقع تحت حكم الدولة العثمانية (السنّية)، والتي كانت تنظر بريبة شديدة إلى تدفق هذه الأموال الطائلة من دولة أجنبية (بريطانيا) إلى رعاياها الشيعة. حاولت السلطات العثمانية مراراً وضع يدها على هذه الأموال، أو إجبار بريطانيا على توزيعها عبر قنوات عثمانية رسمية، للاستفادة منها سياسياً واقتصادياً، في المقابل، حرصت بريطانيا على توزيع الأموال مباشرة عبر قناصلها وممثليها (مثل لوريمر) كأداة “قوة ناعمة” لكسب النفوذ ومنافسة العثمانيين، ولإظهار بريطانيا بمظهر الحامي والمحسن لفقراء المسلمين كما تدعي .

أن الوثيقة المتداولة كُتبت في نوفمبر 1913 م، أي قبل أشهر قليلة من إندلاع الحرب العالمية الأولى (1914) التي تواجهت فيها بريطانيا ضد الدولة العثمانية. يوضح المقيم البريطاني “لوريمر” في هذا التقرير أنه قام بإعادة تنظيم “لجنة كربلاء” المسؤولية عن توزيع الوقف، حيث جرى استبعاد الرعايا الأتراك (والمقصود بهم تاريخياً وقانونياً في تلك السجلات: الأشخاص الحاملو للرعوية أو الجنسية العثمانية أو الموالون لسياسة إسطنبول)، وذلك بسبب الضغوط والنزاعات السياسية مع العثمانيين… وحصرت بريطانيا التوزيع في تلك الفترة عبر مجتهدين من أصول هندية أو فارسية (مثل بهبهاني، كاشاني، إصفهاني، وتنجابوني المذكورين في القائمة) لضمان عدم مصادرة السلطات العثمانية للأموال، وضمان وصولها لفقراء المدارس الدينية كأمانة قانونية معقدة. خلافاً لما يروجه البعض من أن استلام الأموال كان دليلاً على التبعية، فإن تاريخ الحوزة يسجل معركة فقهية وسياسية حامية الوطيس حول مشروعية استلام أموال الوقف الآتية عن طريق الإنجليز:

1. المحرّمون (جناح المقاطعة): حرّم عدد كبير من كبار العلماء والفقهاء استلام هذه الأموال قاطبة. وكان مبررهم الفقهي والسياسي أن ” دخول القناصل البريطانيين في شؤون التوزيع يفتح باباً لـ “النفوذ الأجنبي الكافر” في أروقة الحوزة” . وكان هؤلاء العلماء يرفضون استقبال المندوبين البريطانيين أو إدراج أسمائهم أو أسماء طلابهم في قوائم التوزيع، صيانةً لاستقلال الحوزة التام.

2. المجيزون (جناح استنقاذ الحق): على الجانب الآخر، أفتى علماء آخرون بجواز استلامها، ليس حباً في بريطانيا، بل بناءً على قاعدة فقهية واضحة: “هذه أموال أوقفها ملك مسلم شيعي لفقراء المسلمين، والحكومة البريطانية مجرد غاصب أو وسيط إداري مجبر، وترك هذه الأموال للإنجليز دون استلامها يعني ضياع حق الفقراء وتمكين الكفار من الاستحواذ عليها”. لذلك، كان الاستلام يجري باعتباره “استنقاذ مال وقفي” وليس مكرمة أو راتباً بريطانياً. أن الحجة الدامغة التي تبطل زعم التمويل أو التبعية لبريطانيا تتلخص في حقيقتين تاريخيتين:

الاولى:المرجعيات العليا المطلقة في تلك الحقبة (مثل آية الله العظمى الشيخ الآخوند الخراساني، وآية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي) كانت ميزانياتها المستقلة القائمة على “الخمس والزكاة” وتبرعات الشيعة من كل دول العالم (إيران، الهند، الخليج، ولبنان) تتجاوز أضعاف مبالغ (وقف أوده)، ولم تكن بحاجة له إطلاقاً لإدارة شؤون الدين…

ثانيا : الحجة التاريخية الكبرى هي أن ذات الحوزة العلمية وذات المدارس الدينية في ” النجف وكربلاء” التي يزعم البعض أنها خضعت للتمويل البريطاني، هي التي قادت أعظم ثورة مسلحة ضد الاحتلال البريطاني في العراق عام 1920 م (ثورة العشرين) بزعامة المرجع الكبير الميرزا محمد تقي الشيرازي، وقدمت قوافل من الشهداء لإنهاء الوجود البريطاني، وهو ما ينفي عقلياً وتاريخياً أي تبعية أو ولاء سياسي لبريطانيا.

و إن تداول وثيقة “وقف أوده” والادعاء بأنها دليل على تمويل بريطاني للحوزة هو جهل مركب بالتاريخ أو تدليس متعمد وهو حقا تدليس متعمد . بريطانيا لم تدفع قرشاً واحداً من جيبها، بل كانت وسيطاً مالياً مجبراً بقوة القانون والاتفاقيات الدولية على نقل أموال وقفية هندية إسلامية. واستخدام هذه الوثائق للطعن في استقلالية المرجعية يسقط أمام الحقائق والوثائق الكاملة التي تثبت أن المرجعية الدينية بقيت طوال تاريخها المؤسسة المالية والسياسية الأكثر استقلالية عن الحكومات والإمبراطوريات شرقاً وغرباً.
……………………………

توثيق المصادر المعتمدة في الرد :

* سجلات وزارة الخارجية وإدارة الهند البريطانية: British Library: India Office Records and Private Papers (Reference: IOR/L/PS/10/372).
* دراسة أكاديمية مفصلة: “The Oudh Bequest: Shii communities of Iraq and British policy” للمؤرخ إسحق نقاش (Ishaq Nakash).
* كتاب “الثورة العراقية الكبرى” – عبد الرزاق الحسني (لتوثيق مواقف العلماء السياسية ضد بريطانيا).