السعودية تعيد رسم خريطة الأمن.. مشروع «ناتو» جديد في الشرق الأوسط..!
قاسم الغراوي ||

رغم وجود اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وعقود طويلة من الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، تتجه السعودية إلى بناء مظلة أمنية جديدة من خلال اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان.
السعودية اليوم لم تعد تريد أن تضع أمنها في سلة واحدة ، فالتهديدات التي تواجه المنطقة تغيرت؛ فلم تعد الحروب تعتمد على الجيوش التقليدية وحدها، بل أصبحت الصواريخ والمسيّرات والحرب السيبرانية واستهداف الطاقة والمطارات والموانئ ومحطات الكهرباء وتحلية المياه جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.
السعودية بما تمثله من ثقل اقتصادي ونفطي وسياسي، تدرك أن أي حرب مقبلة قد تستهدف بنيتها التحتية الحيوية قبل استهداف قواتها العسكرية.
ولذلك تسعى إلى بناء شبكة ردع متعددة: الولايات المتحدة، مجلس التعاون، القدرات السعودية الذاتية، ثم تركيا وباكستان.
تركيا تمنح هذه المعادلة قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية، باعتبارها دولة إقليمية كبرى وعضواً في الناتو، بينما تمنح باكستان ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً كبيراً وعلاقة دفاعية تاريخية مع الرياض.
هل نحن أمام بداية «ناتو خليجي–تركي–باكستاني»؟
حتى الآن لا يمكن وصف الاتفاق بأنه ناتو بالمعنى المؤسسي؛ فلا قيادة عسكرية موحدة ولا آلية تدخل مماثلة للمادة الخامسة في الناتو ، لكنه يمكن أن يتحول إلى نواة لتحالف أمني إقليمي إذا انتقل من الاتفاق السياسي إلى المناورات المشتركة، وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والصاروخي، والتعاون الصناعي والعسكري.
نعتقد ان مصر هي المرشح الأكثر أهمية لأي توسع مستقبلي، بسبب ثقلها العسكري والجغرافي والسياسي، فضلاً عن تنامي التنسيق بينها وبين السعودية وتركيا وباكستان.
أما الإمارات وقطر فقد تفضلان في البداية التعاون في مجالات محددة، مثل الدفاع الجوي والأمن السيبراني وحماية الطاقة والملاحة، بدلاً من الالتزام بحلف دفاعي يلزمهما تلقائياً بالدخول في أي حرب.
أما الولايات المتحدة فمن غير المرجح أن تنظر إلى هذا التحرك باعتباره خروجاً سعودياً من المظلة الأمريكية، طالما بقي الاتفاق دفاعياً ، وقد ترى فيه جزئياً تحملاً أكبر من جانب الحلفاء لمسؤولية أمنهم.
لكن الرسالة الأهم التي تحملها الخطوة السعودية هي أن النظام الأمني القديم في الشرق الأوسط لم يعد كافياً ، والرياض لا تريد بديلاً عن أمريكا، وإنما تريد خيارات أكثر ، ولا تريد إلغاء مجلس التعاون، وإنما تريد إضافة دوائر جديدة إلى أمنها.
وبذلك قد نشهد مستقبلاً نموذجاً مختلفاً: أمريكا كشريك استراتيجي، مجلس التعاون كإطار خليجي، والسعودية–تركيا–باكستان كنواة لشبكة ردع جديدة، مع احتمال انضمام مصر أو تعاون الإمارات وقطر معها بدرجات مختلفة.
إذا تطورت هذه الاتفاقية إلى قيادة مشتركة ومناورات وتكامل دفاعي حقيقي، فإننا لن نكون أمام اتفاقية عابرة، بل أمام بداية إعادة هندسة للأمن الإقليمي.
المنطقة بدات تتجه من عصر «الحماية الأمريكية» إلى عصر «شبكات الأمن الإقليمية» والسعودية قد بدأت بالفعل كتابة الفصل الأول من هذه المرحلة.




